الأحد، يناير 11، 2009
دمشق ... مرة أخرى
هذه المرة لن أحكى لكم بالتفصيل عن رحلتى ووجود شريف عرفة معى على متن الطائرة .. ولن أحكى عن المهندس الغبى الذى يسوء هو وأمثاله من سمعتنا كمصريين فى الخارج والذى تشاجرت معه ... فكل هذه الأشياء لا تهمكم فى شئ .. فهى لا تهمنى أنى شخصياً ..
بالطبع كان هناك المزيد من الأفلام التى تتحدث عن كوارث الطائرات ... لم أعد أندهش من هذا ... ويبدو أنها هي الحبكة الوحيدة مضمونة النجاح هذه الأيام ...
ماذا سأحكى إذن ؟؟ سؤال جيد يطرحه ذلك الشاب القصير الأصلع ( الذى هو أنا ) .. سأحكى لكم انطباعاتى عن سوريا .. فهذه هى المرة الأولى التى أخرج فيها وأتحدث مع سوريين وآكل الطعام السورى فى مطاعمه الأصليه بعيداً عن الفندق .. وكل هذا بفضل الله ثم بفضل صديقى السورى ياسر ... وهو الذى جعل لسوريا طعماً أحلى فى فمى وعقلى وقلبى ....
بداية أحدثكم عن ياسر .. هو شاب فى الخامسة والعشرين من عمره .. يحضر الماجستير.. وهو لطيف لدرجة تجعلك تحب الشعب السورى وتتمنى معه أن يكون هو زوج أختك بدلاً من ذلك الشخص السئيل الذى لا تحبه ... ياسر أصر على أن يصطحبنى إلى الشام القديمة ويدعونى للطعام فى أحد المطاعم هناك بدلاً من أجلس وحدى فى الفندق كمرضى الجذام .. فعل هذا ليومين ... هون علي كثيراً من مرارة الغربة .. فالغربة مرة حتى ولو كانت وسط بنات سوريا اللائى لم أتعامل مع أيهن حتى الآن ....
سوريا ....
دمشق ...
دمشق القديمة ....
مطعم أوراق الزمان ......
يبدو اسم المطعم كأحد المسلسلات القديمة .. يذكرنى بأولاد آدم وليالى الحلمية والمال والبنون ...
دخلنا المطعم .. هو فى الأصل بيت سورى قديم من البيوت التى تراها فى مسلسلاتهم القديمة .... جزء منه عبارة عن غرف ... ثم ساحة كبيرة بلا سقف تتوسطها نافورة صغيرة ... وبالطبع لأجل تحويله لمطعم تم عمل سقف لهذه الساحة .... ويصل سعر هذا المطعم – إذا فكر أحدكم فى شرائه – إلى ما قد يزيد عن مليونين ... من الدولارات ....
منذ البداية وأنا معجب بالمطعم السورى والطعام الشامى ... ولكننى فى ذلك المطعم أدركت أنى لم أتذوق الطعام السورى من قبل ... فالطعام فى مطعم شبه شعبي يختلف كثيراً عن الطعام فى الشيراتون ... فالمكان الشعبي هو نكهة الوطن ( ما رأيكم بهذه الفلسفة والحذلقة الفارغة ؟ )
أكلت دجاجاً فى الفخار .. وهو أجمل ما أكلت فى حياتى على الإطلاق .. دجاج مطهى بشكل ما ... وعليه صوص ما ... ومقطع عليه بطاطس ومكرونة ومشروم مطهيين بشكل ما .... إننى – لو كانت إنجى معى - فأنا فى الجنة ولا شك ...
حتى الشيشة – أو الأرجيلة كما يسمونها – لها طعم مختلف رغم أنهم يستوردونها من مصر ...
يتميز الشعب السورى بأنه شعب مفطور على السياسة مفطوم عليها ... يولد وينشأ ويترعرع على حلم القومية العربية والوحدة العربية وكراهية إسرائيل ... يدرسون التربية القومية منذ الابتدائية وحتى التخرج من الجامعة...
حتى الأطفال ... فعندما يلعب الأطفال كرة القدم مثلا يكونون فريقين ... ولا يقومون بتسميتهما .. ولكن الاتفاق يكون أن من يربح المباراة سيكون اسمه سوريا .. وأما من يخسر فسيكون اسمه اسرائيل .... هذه الحماسة زرعها فيهم الرئيس الراحل – جسداً لا روحاً – حافظ الأسد ... وأكدها بعده ابنه الرئيس الذى تغير من أجله الدستور ... الدكتور بشار الأسد ....
والدكتور بشار له هناك شعبية طاغية لا يتصورها عقل ... ونسجت حوله الكثير من الحكايات .. بعضها حقيقى وبعضها الآخر من نسج الخيال بالطبع ... فهو الرئيس الذى يسير بلا حراسة ويذهب للملاهى مع أطفاله دون حراسة ... وهو الرئيس الذى يقف فى طابور فى مطعم ليحصل على ساندويتشين فلافل سورى ويطلب من البائع أن ( يتوصى بالمخلل ) ....
هو الرئيس الذى عندما كان طفلاً ويتربى فى بيت والده الرئيس حافظ الأسد كان طفلاً مطيعاً مؤدباً ... وكان أحياناً يذهب للكلية بالمواصلات العامة والأوتوبيس ...
وهو فوق كل هذا شاب متحمس ... يصرخ دائماً بالوحدة والحرب ضد إسرائيل ... وإذا سألت أحد السوريين لماذا لم يطلق رصاصة واحدة لتحرير الجولان – التى يرفض الحصول عليها سلمياً مقابل الاعتراف بإسرائيل – يقول لك السورى : لأننا لا نضمن أن مصر ستقف موقف الحياد .. بل ستحارب ضدنا ... وأتساءل صادقاً .. هل سوريا التى تستطيع أن تحارب ضد إسرائيل ومن خلفها أمريكا تخاف أن تقف مصر ضدها ؟؟؟
المهم أن حماس الرئيس السورى انتقل إلى شعبه الذى يحبه بجنون .. ويبدو أنه قام بالكثير من الإصلاحات على المستوى الداخلى فزاد الأمن وزادت المرتبات ... وهناك تستطيع إرسال ابنتك البالغة من العمر سبع سنوات لتحضر لك الخبز فى الثالثة أو الرابعة صباحاً ولا تخش شيئاً .. فقبضة الأمن هناك حديدية .. ولا توجد هناك معاكسة الفتيات المنتشرة بشدة فى الدول المجاورة ....
أما المخدرات .. فعقوبة تعاطيها قد تصل إلى السجن لخمسة عشر عاماً ... أما عقوبة الاتجار بها فقد تصل للسجن المؤبد أو السجن مدى الحياة ( السجن المؤبد هو السجن حتى يصل عمر السجين إلى سبعين عاماً ) .
والشعب السورى يرى نفسه صانع لبنان ... له الكثير من الحق فيما يقول .... فالسلاح يتم تهريبه من سوريا والكهرباء تأتى من سوريا والبترول يأتى من سوريا .... حتى المقاتلين أنفسهم كثير منهم تدربوا فى سوريا .. أما جيش لبنان الرسمى فهو لا يصلح لشئ .. فماذا تتوقعون من جيش فترة التجنيد به ستة أشهر وعقاب المجند الذى يخطئ أو يرفض تنفيذ الأوامر هو الحرمان من الكوكاكولا على العشاء .....
فى سورياً شاهدت علم إسرائيل مرسوماً على الأرض فى الشام القديمة .. بالطبع دست عليه فأنا محروم من مثل تلك الحريات فى بلادى ...
كما شاهدت على الحائط مكتوباً : هتلر العرب حسنى مبارك ...
وهم فى غمرة حماسهم يطلبون منا فتح المعبر ... ونحن فتحناه للجرحى والمصابين وعبور المساعدات .. ولكننا لن نفتحه من أجل التوطين ....
وللفلسطينيين فى سوريا وضع خاص .. فهى تعطيهم هوية ( بطاقة شخصية ) مكتوب عليها سورى فلسطينى ... أى أنها تعطيهم معظم حقوق المواطن السورى من إقامة وعمل وغيرهما ولكنه فى النهاية فلسطينى وله وطن وسيعود له يوماً .... يعجبنى بشدة الحماس السورى ....
وللسوريين عاداتهم فى السلام ... فعندما تقابل الشخص فأنت تسلم عليه .. ثم تقبله بوضع الخد على الخد ناحية اليسار مرة – كما نفعل فى مصر – ثم ناحية اليمين لثلاث مرات ....
والحكومة السورية تمارس أشد أنوع الرقابة على الإنترنت ... فالمواقع المحجوبة بالعشرات .. حتى الفيس بوك واليوتيوب محجوبين .. بالإضافة لعشرات المواقع الإخبارية ... ولا أدرى ما فائدة هذه ومواقع كسر البروكسى تنجح فى التعامل مع هذا الحجب بنسبة مائة فى المائة ....
لملمت حقائبى .. وحزمت أمتعتى .... وها أنذا فى وطنى مرة أخرى ...
مرحباً بى .....
الاثنين، أغسطس 25، 2008
صباح الخير يا دمشق
كانت هذه الجملة مصدر حسد وحقد وغل أصدقائى ... الذكور منهم والإناث ...
فالذكور يعشقون كل ما يمت بصلة لسلاف فواخرجى ... أما الإناث فتيم حسن هو فتى فتيان أحلامهم ...
كنت مرشحاً مع اثنين من زملائى بالقاهرة لحضور دورة تدريبية فى محاسبة تكاليف الأسمنت ... سبقنا زميلى إلى سوريا وصعدت مع زميلتى إلى الطائرة التى انطلقت بنا مخترقة طبقات الجو كما تفعل كل مرة ...
جلست زميلتى على الكرسى الخارجى وأنا فى المنتصف – ذلك المكان الذى أكرهه بشدة – وبجوار الشباك جلس شاب مكتوب على وجهه أنه سورى ... ولو رأيت جثته بعد أن تتحلل فسأجزم بأنها جثة شاب سورى ... ارتفعت الطائرة واتخذت مكانها فى الجو .. وبعد قليل وجدنا شارباً ضخماً يخفى خلفه وجها يظهر على استحياء من الكرسى الموجود خلفنا ... ظهر الرأس بينى وبين زميلتى ليسألنا بلهجة شامية صرفة : ( انتم مصريين ؟ )
أجبناه بنعم ... فسألنا : ( ويا ترى سوريا حلوة ؟ ) سألت نفسى بدهشة هل من المعقول أنه لا يدرك أن الطائرة متجهة إلى سوريا وليست خارجة منها ؟؟ أجابته زميلتى بلباقة أفتقدها كثيرا : ( المفروض انت اللى تقول لنا )
فأجابها : ( والله ما بعرف ... أنا أصلا من السويد )
كاذب ... مستحيل ... مستحيل أن تسمح السويد بوجود هذا الشارب الذى يشبه الربابة ... ربما عليهم تفتيش هذا الشارب فى المطار خشية تهريب أسلحة دمار شامل داخله ...
تفضلت المذيعة الداخلية بإعلان وجودنا فوق مطار دمشق الدولى واستعدادنا للهبوط لتبدأ لعبة أكروبات عالمية ... الطيار يصعد بالطائرة ثم يهبط فى سرعة ثم يدور ويصعد ثم يهبط ثم يصعد ... هو ليس طياراً بالتأكيد بل هو دبلوم تجارة ويعمل بالعطلة الصيفية كطيار ...
بدأنا نتلو الشهادتين .. وتطوع جارى السورى ليفسر لى الوضع قائلا بابتسامة مستفزة وبلهجة العالم ببواطن الأمور : (شكلها الدواليب مو راضية تنزل ) ... والدواليب لمن لا يعلم هى الإطارات .. أى أن ذلك السورى المتفائل يخبرنا أن إطارات الطائرة ترفض الخروج من بطن الطائرة ... حالة ولادة متعسرة لو فشلت فستموت الأم وكل الأجنة اللائى هم فى بطنها ... أجبته أنا بابتسامة مستفزة وبلهجة العالم ببواطن الأمور : ( لا .... هاتنزل إن شاء الله )
نزلت الدواليب بسلامة الله وهبطت الطائرة بحمده بعد أن كدنا نتقيأ كلنا ... استقبلنا مندوب من الاتحاد العربى للأسمنت منظم الدورة التدريبية وأنهى إجراءاتنا فى سرعة وحملنا فى ميكروباص أعظم ما يوصف به بأنه سيارة حقيرة تم حقنها ببعض الهرمونات لتتحول إلى ميكروباص أشد حقارة وحرارة ...
فى طريقنا إلى الشيراتون تطلعت إلى المناظر المحيطة بى كعادتى كلما سافرت إلى أحد الدول لأول مرة .. وكان انطباعى الأول أن دمشق تشبه القاهرة إلى حد كبير ولكن على أضيق وأصغر قليلاً ... فهذا الشارع هو نسخة بالكربون من شارع عدلى بوسط المدينة .. وهذه العمارة بجوار الكوبرى تشبه عمارة الأطباء بجوار كوبرى الجيزة .. وهذا الشارع هو نفسه شارع جمال عبد الناصر بالإسكندرية .. ولكن كلهم بشكل أضيق وأصغر قليلاً ...
كما وجدت فى الطريق ما يشبه غابة صغيرة ليس لدينا مثلها بالقاهرة ... انطباع آخر وصلنى – واتضح لى فيما بعد أنه انطباع خاطئ تماما – وهو ندرة البنات المحجبات ... وإن كنت أشهد أن كل محجبة هي محجبة بالحجاب الحقيقى .. فلا يوجد ما يسمى بالحجاب الأمريكانى المنتشر فى مصر ... ربما لأن الأهالى فى سوريا لا يجبرون بناتهم على الحجاب فمن تختار الحجاب تختاره عن اقتناع تام ...
وصلنا للفندق ليقابلنا موظف الاستقبال الجميل والموظفة الجميلة ... ليخاطبانا بلهجتهما السورية الجميلة ... كل ما فى سوريا جميل فى الواقع ...
صعدنا إلى غرفتينا واسترحنا لمدة ساعة وهبطنا إلى الكافيتريا لنتناول العشاء مع المدير المالى وزميلنا المصرى وزميل وزميلة عراقيين من زملائنا بالعراق أراهما لأول مرة ..
بدا لى للوهلة الأولى عندما رأيتهما أن كل أبناء العراق يشبهون كاظم الساهر .. وأن كل بنات العراق جميلات ... كانت جميلة بشكل ملفت للنظر .. ولكننى تركت قلبى فى مصر .. وتركت مراكز الإعجاب بعقلى فى أحد المناطق التابعة لمحافظة الجيزة ...
أتى العشاء ... وعن الطعام السورى أحدثكم باختصار
يتميزون بالسلطات والمقبلات الرائعة التى تعتبر وجبة فى حد ذاتها ... كما أن لديهم طعمية لذيذة لدرجة أننى أنا عدو الطعمية الأول فى مصر أكلتها بدون خبز ... أما المشويات فهى أحد عجائب الدنيا السبع الجديدة لانج ...
وتأملت بنات سوريا – تبين لى فيما بعد كم كنت غبياً لأنى تأملت بنات الشيراتون فقط – وجدتهن فى منتهى الدلع واللا ملابس ... وكن جميلات جداً ... جميلات بالفعل .. لدرجة أن سلاف فواخرجى تبدو بجانبهن خادمة .... هن أيضاً ثقيلات الظل كبعض الجميلات ... بعضهن وليس كلهن ... عموماً عليكم نسيان هذا الانطباع لأنه انطباع خاطئ تماماً كما سبق وقلت لكم ...
تناولنا عشاءاً سريعاً ... كلا أنا أكذب ... لم يكن سريعاً ... وصعدنا كل إلى غرفنا بعد أن تقاربنا أنا وزميلنا العراقى بشكل سريع ... واستيقظنا فى اليوم التالى لنتقابل فى البوفيه لنفطر ثم نتوجه للدورة التدريبية ...
بحثت فى البوفيه عن أى شئ يمكن تناوله فلم أجد سوى بعض أنواع اللانشون ... والبيض المقلى .. أما الفول فقد كانت كل حبة فول تشبه الجمبرى العملاق الذى يختال فى البحر وسط أسماك القرش العملاقة ...
دارت بنا الأيام عبارة عن الدورة التدريبية صباحاً ثم الدوران فى دمشق بعد الظهر حتى الليل ...
الناس فى سوريا نوعان ... نوع يحب الرئيس – أو كما يطلقون عليه د. بشار – ونوع يتظاهر بأنه يحبه ...
فالدكتور بشار – طبيب العيون الذى أصبح رئيساً وتغير من أجله الدستور السورى – يحكم الشعب بقبضة حديدية شابة لا يستطيع أحد أن يفكر خلالها أنه لا يحبه أو حتى أنه يمكن أن لا يحبه... والرجل تحاك حوله الأساطير التى تجعله أقرب للملائكة بين أقرانه الرؤساء ... فقد حكى لنا نادل الكافيتريا فى الشيراتون أن الرئيس الذي يقع قصره قرب الشيراتون تعود على إرسال رجاله لإحضار ساندوتش طعمية وتبولة لفخامة الرئيس مع إصرارهم على دفع ثمن الطعام ... وعندما زار الدكتور بشار الشيراتون ذات مرة غضب لأن جميع الموظفين خرجوا لاستقباله وقال لهم : أنا مجرد مواطن عادى أتيت لتناول طعامى ودفع الحساب ثم المغادرة فى هدوء ... فبرجاء العودة لعملكم ...
والرئيس يسير بأقل القليل من الحرس الشخصى ... وكذا المسئولون جميعاً ..... هل هذا رئيس عربى ؟؟؟؟
وهناك هالة من التقديس والتمجيد تضرب بخيوطها حوله وحول والده الراحل حافظ الأسد .. فتجد كلماتهم الشهيرة معلقة كلافتات فى الشوارع ... وتجد صورتهما معاً على الجدران الخارجية لبعض المؤسسات الحكومية ... والجملة الشهيرة الموضوعة تحت صورة الدكتور: لأنك أسد ....
حتى أن إحدى لافتات التأييد أفزعتنى بشدة ... فقد وجدت مكتوباً عليها : مبارك لسوريا ... شعرت بالرعب ... هل مبارك وصل لسوريا أيضاً ؟؟ ولكننى فهمت أنهم يقصدون مبارك لسوريا الرئيس الدكتور ...
والوزارات التى رأيتها هناك ليس لها مبانى مستقلة ... فوزارة الصناعة مثلا توجد داخل إحدى العمارات فى شارع مزدحم ويوجد أمامها عمود حديدى صغير مكتوب عليه : سيارة وزير الصناعة .... هكذا فقط ...
ويتمتع أهل سوريا بابتسامة عذبة ومرح قريب جداً من مرح المصريين ....
كما أن لديهم مناظر طبيعية جميلة وآثار متميزة ... فقد صعدنا إلى جبل قاسيون وتناولنا عشاءنا فى أحد المطاعم هناك على ارتفاع 750 متر عن سطح البحر وكنا نرى دمشق بالكامل كأنها دمية مدينة ...
ويوجد بها – على حد قول أحد سائقى التاكسى هناك – منطقة بها أقدم كهوف تاريخية عاش بها الإنسان واسمها كهوف النمرود ... وربما كان يعيش بها الملك النمرود ...
كما تناولنا عشاءنا ذات يوم بمطعم يسمى بوابة دمشق وهو أكبر مطعم بالعالم ويتسع لستة آلاف شخص ويعمل به نحو ألفان من الرجال ... وقد قرأت عنه هاتين المعلومتين بالصدفة على متن الطائرة المتوجهة لدمشق فى باب صدق أو لا تصدق بجريدة الأهرام .
دمشق تشبه القاهرة كثيراً ولكن من عشر سنوات تقريباً ... نفس التاكسيات المتهالكة – ولكنها تشبه فى شكلها تاكسى العاصمة الحالى - .. نفس المبانى غير المنظمة ...
الشوارع هناك ضيقة قليلاً والمنحنيات خطيرة ... ولكن السوريين يقودون بسرعة كبيرة رغم أن الكثير من الطرق توجد بها لوحات لتحديد السرعة ب60 كيلو متر فى الساعة للسيارات الملاكى ولكنك تجد الأوتوبيسات وقد تجاوزت ال90 كيلو متر
الكثير من المطاعم تحتوى على الشيشة .. والشيشة هناك مصرية الطابع حتى نوعية المعسل المستخدم هو – عادة – معسل النخلتين الذى تستخدمه معظم مقاهى مصر ...
فى الدورة التدريبية تأكدت من شيئين :
الشئ الأول هو كم يحترم العرب المصريين ... فكل المتدربين من كل الجنسيات توددوا إلينا نحن المصريين وحاولوا التعرف علينا سواءا الليبيون أو اليمنيون أو العمانيون أو السودانيون أو العراقيون أو حتى الدكتور السورى الذى كان يدرسنا شخصياً ...
الشئ الثانى أننى تأكدت أن الليبيين واليمنيين هم أغبى الشعوب العربية وأكثرها إثارة للتقزز ... بدا ذلك واضحاً من طريقتهم وأسئلتهم ومناقشاتهم خلال الدورة ...
أما الدكتور السورى الذى كان يدرس لنا فقد كان حدوتة بمفرده ...
بداية كان ثرثاراً جداً ... يحب الحديث كعينيه .. حتى أنه كان من المفترض أن يقوم دكتور آخر بالشرح فى اليوم الثانى من الدورة فقاطعه صاحبنا كثيراً جداً واستولى بمفرده على حوالى 4 ساعات من ساعات اليوم التدريبى الخمسة .. حتى أنه ذكرنى بجورج سيدهم فى فيلم أنكل زيزو حبيبى – لو أنكم تتذكرونه - .
وهذا الرجل – للحق – كان معجبانياً – لو صح التعبير - .. فهو يهتم بأناقته وتسريحة شعره إلى اليمين .. ثم خصلة صغيرة من تنزل على الجبين بدقة ... كان سورى الشكل والطابع .... وكان يشبه نوعاً ما دريد لحام لو أن دريد أوسم قليلاً .. أو كثيراً ... كل السوريين يشبهون دريد بشكل أو بآخر ...
وفى اليوم الأخير من الدورة التدريبية وبينما أمين عام الجهة المنظمة للدورة يلقى بكلمته الأخيرة أمسك الدكتور باللاب توب الخاص به – والذى يحتوى كاميرا من الأمام – وأداره ناحية المتدربين والتقط بعض الصور – كتذكار - .. وكنا نرى ما يحدث على الشاشة من خلال البروجكتور ... ثم أداره ناحية اللوحة الترحيبية والتقط صورتين .. ثم ناحيته هو والأمين العام والتقط صورة ... ثم خلع نظارته وأخذ وضعاً سنيمائياً والتقط صورة أخرى .. ثم سبسب شعره وتأكد من وضع خصلة الشعر النازلة على جبينه والتقط صورة أخرى ...
من الآخر .. كان دكتور مسخرة ...
أعزائى ...
كان من المفترض أن أكتب المزيد ولكننى سقطت مريضاً بالبرد فى اليوم الثانى للرحلة بعد أن تكرمت صديقتى المصرية وأقرضتنى كل ما لديها من فيروسات البرد اللعينة ... وبقيت طريح الفراش لمدة يومين ونصف اليوم من أيام الرحلة الخمسة ...
اليوم قمت من الفراش ... وذهبت إلى المطار .... وقفت فى طابور الوزن والتذاكر لفترة تجاوت نصف الساعة ولاحظت أن المشرف على صالة الوزن والتذاكر مصرى الجنسية ... شئ مدهش ولكنه يؤكد أننا شعب لنا قيمته واحترامه ... ثم وأمام ضابط الجوازات كنت مرتدياً نظارتى الشمسية وواضعاً منديلا على فمى وأنفى حتى لا أعطس فى وجهه .. فنظر لى بريبة وسألنه ( ليش مغطى وجهك ؟؟ ) فأبعدت يدى عن وجهى .. فنظر لى بشك وقال لى : اخلع النظارة .. فخلعتها .. ثم سألنى : شو اسم أمك .... فأخبرته .. فتركنى أعبر ...
وهم لا يقصدون شيئاً عندما يسألونك عن اسم والدتك ... فاسم الوالدة خانة رئيسية فى الأوراق الرسمية هناك وليس شيئاً مهيناً كما هو فى مصر ...
حملت أشيائى وبينما أنا على باب صالة السفر نفسها ابتسم الرجل الذى يقوم بتفتيشي وسألنى : ( ويش جايب لى معك ؟ ) .. ابتسمت وقلت له بقرف : ( دعواتى ) ... فتشنى ثم أمسك بجيبى وقال لى ( شو هادا ؟ ) فأخرجت له ما فى جيبى وقلت له : ( فلوس ) .. فابتسم فى لزوجة وسألنى : ( ما لى فيها شئ ؟ ) فقلت له بتقزز بلغ مداه : ( لا .. أصلها عهدة من الشركة بتاعتى ) ثم تركته ومررت وقد علمت كم أننا – برغم كل شئ – الأكثر احتراماً .. والأكثر كرامة ...
ركبت الطائرة ... وبالطبع تفضل البرد وانسداد الحلق واختلاف ضغط الطائرة بتدمير ضغط آذانى تماماً حتى ظننت أنهما ستنفجران ... وعندما هبطت الطائرة – وحتى لحظة كتابة هذه السطور فى اليوم التالى للرحلة - فأنا لا أسمع شيئاً بأذنى اليسرى نهائياً ...
ترى ... هل ستعود للعمل مرة أخرى ؟؟؟
أتمنى ذلك ......
الأربعاء، يناير 23، 2008
من الجزائر المحتلة أكتب لكم

فجأة وبلا مقدمات .... " إنت مسافر الجزاير يوم السبت " .....
فعلت كل ما يمكنكم تخيله ... اندهشت ... تعجبت ... صدمت ... ولكننى بالطبع وافقت ... فهذا هو ما يسمونه : حكم اللحمة على الجعان
تساءلت عن خط سيرى ... فتلقيت صدمتى الثانية ... سوف تتحرك من القاهرة فى الثامنة والنصف صباحاً لتصل إلى الجزائر العاصمة فى الواحدة ظهراً .... ثم تستقل الطائرة من العاصمة الجزائرية إلى وهران فى التاسعة إلا ربع مساءا .... معنى هذا أننى سأظل ملقى كالكرسى القديم المهمل لمدة ثمانية ساعات إلا ربع ... تساءلت عن المسافة من العاصمة إلى وهران فقيل لها أنا تستغرق بالطائرة خمسة وأربعون دقيقة ... معنى هذا أنها تستغرق بالسيارة ثلاث ساعات تقريباً .... وقديماً قالوا : الوبا ولا الغبا .... ننتظر فى المطار قرابة الثمانى ساعات رغم أن الرحلة بالسيارة تستغرق ساعات ثلاث ... اللهم لا اعتراض ....
أعود بكم إلى ما قبل السفر قليلاً ... فقد قامت شركتنا الميمونة بشراء مصنع فى الجزائر الشقيق يدعى زهانة ... ومنذ حوالى شهر تقريباً والكثير من الزملاء هناك ... ولكى تعلموا مأساتى يجب أن تعلموا أننى ذاهب لأجد هناك السيد العضو المنتدب والسيد المدير المالى والسيد المراقب المالى .... إذن فسوف تكون علقة شغل محترمة – هكذا قلت لنفسى - ...
مأساة أخرى قابلتنى عندما طلبوا منى إحضار الكثير من الملابس معى فالجو بارد جداً كما أن إقامتى قد تطول لمدة أسبوعين .... ومع هذه المفاجأة لم أجد لدى حقيبة سفر كبيرة فجهزت حقيبتين صغيرتين ... بالإضافة للاب توب .... ورزقى على الله .... – كالمهاجر كنت –
كنت أسافر هذه المرة بحمل ثقيل على رأسى – ولا تسخروا منى – كان هذا الحمل هو انتظار الزملاء لمذكراتى من الجزائر .... كما كتبتها من قبل من الخرطوم
اتفقت مع بعض أصدقائى أن يبيتوا معى ويوصلونى إلى المطار فى السابعة تقريباً ... سمعت أغنية للشاب خالد تقول كلماتها : " وهران .. وهران .. رحت خسارة " .... ياللتفاؤل ....
ولمن لا يعلم فسوف يسافر معى فى نفس الرحلة مدير الموارد البشرية وسكرتيرته ..... وسوف أحدثكم عنهم لاحقاً عندما أتعرف إليهما أكثر ... وهناك ينتظرنى الكثير من العمل .. والكثير من الرؤساء ... والكثير من العبودية .... ربنا يستر ....
جهزت الحقائب ... نظرة أخيرة على الأشياء التى لا أتذكرها أبداً إلا عندما أحتاجها ... فرشاة الأسنان ومعجونها ... شاحن الموبايل ... فرشاة الشعر .. الكاميرا – ولا أدري ما حاجتى لها هناك .. فالعمل سوف لن يدع لى وقتاً للتصوير - .... توكلنا على الله ... لقد وصل أصدقائى والساعة الآن العاشرة ... سنتحرك بأمر الله فى تمام السادسة صباحاً ...
السبت 5/1/2008
تحركت من المنزل فى الخامسة والنصف مودعاً أمى المستيقظة دوماً وانطلقت مع أصدقائى إلى المطار... وكالعادة – ولا قطع الله لنا عادة – ضللنا طريقنا إلى المطار وسألنا العديد من الأشخاص حتى وصلنا لصالة رقم 2 ... لنكتشف مرة أخرى أن الرحلة ستقلع من صالة رقم 1 ... توجهنا إلى هناك ... تعانقنا باستظرافنا المعهود ... أعطانى أحدهم سلسلة فضية تحمل آية الكرسى .... تركتهم ودخت إلى الصالة وبعد عدة تليفونات قابلت شريكي وشريكتى فى الرحلة جالسين فى المنطقة المخصصة لخدمة القوات المسلحة ... فلشريكي معارفه الذين يستطيعون دوماً إنهاء كل الإجراءات ... جلسنا كالباشوات فى منطقة خدمة القوات المسلحة وأخذ أحدهم حقائبنا وجوازات سفرنا وتذاكرنا وعاد لنا بعد ربع ساعة لينطلق بنا كمجموعة من V.I.P ويدخلنا إلى الطائرة دون زحام ... وقد كان .. ولكن الطائرة كعادة مصر للطيران – وكل خطوط الطيران العربية - تأخرت فى الإقلاع حوالى نصف الساعة ... وركبنا ولم نجد مكانا فى درجة رجال الأعمال التى حجزنا عليها فجلسنا فى الدرجة الاقتصادية حانقين غاضبين .. ولكن مضيفة حلوة اللسان جاءت إلى شريكتى وقالت لها لا يوجد أى فارق بين درجة رجال الأعمال والاقتصادية ... وأنها ستقدم لنا أى خدمة نريدها حتى لو كانت متوفرة لرجال الأعمال فقط كاستعمال الحليب السائل مع القهوة بدلاً من مسحوق مبيض القهوة ... كدت أهتف بها أننى أريد شيئاً واحداً من درجة رجال الأعمال هو أن أستطيع فرد أقدامى قليلاً .. فالمسافة بين كل كرسى والذى يليه فى الاقتصادية ضيقة إلى درجة لا يمكن تصديقها ولكننى تراجعت على آخر لحظة خوفاً من إغضابها فتدس لى السم فى القهوة ذات المبيض ...
انطلقت الرحلة فى سلاسة ودون مشاكل باستثناء بعض المطبات الهوائية القوية وباستثناء تشغيل فيلم فتح عينيك ثم قطعه وتشغيل فيلم واحد من الناس ....
المهم أن الرحلة مرت فى سلام ودون خسائر سوى أقدامى التى تحطمت من فرط الانثناء ... أنا لست طويلاً ولم أدع يوماً أننى طويل ... ولكننى عرفت الآن فقط شعور أصدقائى حينما يجلسون على الكنبة الخلفية لسيارتى الألتو الصغيرة ....
هبط الكابتن هبوطاً جميلاً لم نشعر بأن عجلات طائرتنا لمست الأرض فيه ... وأخبرنا أن درجة الحرارة بالخارج أحد عشر درجة مئوية ... وأن الساعة هى الثانية عشر .... فالتوقيت فى الجزائر يتأخر عن التوقيت فى مصر بساعة .. ومعنى هذا - ببساطة - أن أمامنا تسع ساعات إلا ربع .... أوف ... دعونا الله أن نجد أماكن على أى من الطائرات المتجهة من الجزائر إلى وهران قبل طائرتنا لنستقلها...
أثلج شريكى صدرينا عندما قال لنا أحد أصدقائه سينتظرنا فى المطار وسنقطع الساعات الطويلة فى مشاهدة الجزائر العاصمة ...
قابلنا الرجل وخرجنا من المطار حيث لم نجد مكانا شاغراً على أى طائرة سابقة لطائرتنا ... ولكنهم يقومون فى مطار الجزائر بفعل غريب .. فإذا دخلت إلى البلد ومعك دولارات يجب عليك إثبات ذلك فى المطار وتأخذ منهم مستنداً رسمياً يثبت أن معك دولارات ... ولا أعلم ما سبب هذا الإجراء ...
ما علينا ... قابلنا الرجل الذى رحب بنا بحفاوة تذكرك بأبناء محافظة الشرقية الكرام ... وانطلق بنا بسيارته إلى قلب الجزائر العاصمة ليدعونا إلى الغداء فى أحد المطاعم ...
أثناء السير فى لاحظت أن طرقات الجزائر جميعها عبارة عن مرتفعات ومنخفضات متواصلة .. كبارى وأنفاق وانحناءات مرعبة ... كما لاحظت أن جميع شوارعهم تقريباً شوارع جانبية عبارة عن اتجاهين كل اتجاه حارة واحدة ... أو اتجاه واحد عبارة عن حارتين .. ولم أشاهد خلاف ذلك سوى طريق واحد يتكون من 4 حارات .....
ملاحظة أخرى لاحظتها هى أن الجزائر تتميز – وليس معنى كلمة تتميز أنها تحمل صفة جميلة فتتميز تعنى تتسم أو تتصف - بأسوأ الطرقات تخطيطاً ربما على مستوى العالم ... فالمنحيات تتداخل مع الميادين التى تحمل عشرين اتجاهاً كل اتجاه يخرج منه أربعون سيارة .... تخطيط بشع يتيح لك الموت السريع بحادث سيارة .. وبسبب ضيق الطرق فجميع سائقى السيارات يحاولون القيادة بمنتهى السرعة ليظفروا بمكان فى مذبحة القلعة هذه ....
وبما أننا نتحدث عن الطرق فللسيارات طريقة مميزة جداً فى الترقيم – تماماً كما للسودان طريقة مميزة- ... فأول رقمين على يمين لوحة المفاتيح هما رقم الولاية – أى المحافظة – والثلاثة أرقام التى تليها هى موديل السيارة... وبقية الأرقام هى رقم رخصة السيارة نفسها ... نظام بسيط وجميل وممتع وسهل ....
والطرق ممتلئة بضباط يطلقون عليهم : الدرك الوطنى ... وهو أحد أجهزة الأمن الجزائرية .. وعندما تمر أمامه لابد أن تهدئ من سرعتك تماماً وتفتح نافذة سيارتك حتى يشير لك بالعبور ... ولو كان الوقت ليلاً فلابد أن تضئ نور الصالون بالسيارة .... وهذه أشياء لا مزاح فيها ...
وأخذ دليلنا فى المدينة يتحدث بالفرنسية – بكسر الفاء كما ينطقونها هناك - ... وكانت شريكتى تحاوره فى عفرتة وشيطنة ... فهو يتحدث الفرنسية كما يتحدث بيكهام الإنجليزية وهى تتحدثها كما يتحدث روبرتو كارلوس البرتغالية .... وعندما شعرت أننى كالحمار الذى لا يفهم شيئاً وطلبت منه أن يتحدث العربية اعتذر لى بأن لغته العربية ضعيفة ولكنها سيحاول من أجل عيونى – لا أعرف ما سر عيونى بالضبط - ؟؟؟
ذهبنا إلى المطعم وجاءت النادلة لتتحدث بالفرنسية .... وتعطينا قائمة الطعام بالفرنسية .... ونظرت لكل من حولى فوجدتهم يتحدثون الفرنسية .....
عندها علمت أن الجزائر لم تتحرر بعد من الاحتلال الفرنسي ... فرغم رحيل العساكر الفرنسيين ورغم كفاح عشرات الأبطال من أجل تحريرها إلا أنهم – الجزائريين – لا يزالون متمسكين إلى أقصى درجة باللغة الفرنسية ... ولو علمت جميلة بوحريد أنهم سيتمسكون بالفرنسية أكثر من تمسكهم بتراثهم العربى لما فعلت ما فعلته ولا تحملت ما تحملته من أجل وطنها .. ولما ذاقت العذاب فى السجن الحربى بوهران التى نحن مقبلون عليها ... - وبالمناسبة لم أشاهد شارعاً واحداً يحمل اسم جميلة بوحريد .. وقال لى أحد الزملاء المصريين أن الجزائريين محوها تماماً من ذاكرتهم بسبب زواجها من فرنسى -
للأسف .. الجزائريون هم مأساة الجزائر ... شعب يعشق التهمش .... يحب أن يكون مهمشاً .. وافق بسهولة أن يكون ظلاً لفرنسا .... تلك الدولة التى احتلت أرضه ما يفوق القرن ونصف قرن ... بينما نحن المصريين عندما دخل الفرنسيون أرضنا قاومناهم حتى تحدثوا هم العربية وحلق مينو رأسه وسمى نفس عبد الله وتزوج من امرأة مصرية ربما تدعى ابتسام أو عواطف أو حتى نرجس ... المهم أننا وصلنا إلى فندق شيراتون وهران ودون عشاء ودون أى شئ نمنا كالببغاوات المرهقة حيث أننا علمنا أن الأوتوبيس يتحرك من أمام الفندق إلى الشركة فى تمام السابعة .. ومعنى ذلك أننى سأستيقظ فى السادية تماما ... تبا لى ولهم ... وضعت رأسى على الوسادة وفى أقل من دقيقة كنت قد رحت فى أعمق سبات فى التاريخ .
الأحد 6/1/2008
كان من المفترض أن أحكي لكم عن تفاصيل حياتى اليومية يوماً فيوماً كما فعلت إبان فترة اعتقالى فى السودان ... ولكن بغضى للجزائر والفراغ الذى عشت فيه بعيداً عن العمل دفعنى دفعاً لاختصار الكتابة...
كان برنامجى اليومى هو الاستيقاظ فى السادسة صباحاً والنزول لتناول الإفطار فى الأوبن بوفيه .. وكان إفطارى فى الغالب عبارة عن قطعة من اللانشون وبيضتين مقليتين وقطعتين من السجق وقطعتين من الخبز وبعض الطماطم وعلبة مربى ... ثم فنجان من الشاى بالحليب مع ثلاث قطع كرواسون بالشيكولاتة ... ثم أجلس إلى النت قليلاً فى اللوبى حتى ينتهى الجميع من إفطارهم ونستقل الأوتوبيس إلى مقر المصنع الذى يبعد حوالى الساعة إلا ربع عن الفندق ....
وعن المصنع أحدثكم ... هو مصنع حكومة ... والشركة صاحبة المصنع شركة قطاع عام .. والموظفون الذين يعملون فى الشركة صاحبة المصنع هم موظفو قطاع عام ... تماما كما كان القطاع العام فى مصر منذ ثلاثين سنة ... تخيلوا أنتم الوضع
وهم – فوق بيروقراطيتهم – يتميزون بالجهل المطبق .... لا يفقهون شيئاً فى المحاسبة لدرجة أننى – وأنا المحاسب قليل الخبرة إلى أبعد الحدود – كنت أبدو أمامهم كخبير أجنبى ....
وكان يعمل معنا فى فحص ملفات الشركة أربعة محاسبين من KPMG ... وعندما أقول KPMG فى مصر فأنا أعنى أقوى المراجعين الذين يثيرون الرجفة فى قلوب المحاسبين ... أما هنا فى الجزائر فالوضع يختلف تماماً ... فقد أرسل لنا KPMG مجموعة مكونة من 4 أفراد ... ثلاث شبان وفتاة ... شابان منهما يتمتعان بالخبرة والمهارة والشاب الثالث والفتاة لا يتمتعان بأى شئ يمكن لمحاسب أن يتمتع به .... وأنا – بحكم مركزى كخبير – لم أكن مستعداً لتقبل أى خطأ من المراجع الشاب .. ولكننى – بحكم طبيعتى كرجل - كنت بالطبع مستعداً لتقبل جميع أخطاء الفتاة ... كلا هى لم تعجبنى ...... أقصد أنها لم تعجبنى كثيراً ... كنت أعنى أنها ليست أكثر من أعجبنى من من قابلتهم من الفتيات فى حياتى بالطبع ... ولكن هذا لا يمنع إننى " استلطفتها " كثيراً وحزنت عندما عادت إلى الجزائر العاصمة.. تباً لكم ... لا تبتسموا هذه الابتسامة الخبيثة ... على العموم فإن رقم هاتفها معى ... وسترونها حين تزور مصر على يدى إن شاء الله ....
أعود لموضوعى الأساسى ... كلا ليس الجزائر .. بل هو الفتاة ... كانت تقص شعرها على طريقة "ألا جارسون " الشهيرة .. وترتدى نظارة طبية كبيرة نوعاً ما ... هى ليست على قدر كبير من الجمال – كما هو حال معظم فتيات الجزائر المكتئب .... ولكن شيئاً ما فيها يجذبك .. ربما هو أسلوبها فى الكلام .. ربما نظرتها حين تتطلع إلى الأرض عندما تحدق فى عينيها وأنت تحدثها ... ربما هى نظارتها – وأنا أعشق الفتيات ذوات النظارات الطبية - ... ربما هو حداثة عهدها بالعمل وقلة خبرتها به مما يعطيني شعوراً محبباً بالتفوق ... ربما هو اسمها ذو الطابع الملفت الذى يأخذك إلى عالم ألف ليلة وليلة ... اسمها شهرزاد ..... وعندما قدمت لى نفسها ظهرت على وجهى ابتسامة وأنا أذكر لها اسمى الحقيقى .... شهريار ......
المهم ... دعك من شهرزاد ومسرور السياف ... فقد قرر السيد رئيسى أن يكتفى بهذا القدر من عمل شهرزاد وزميلنا الآخر وعادا إلى العاصمة ظهر يوم كئيب
وهكذا مضت الأيام .. نذهب إلى المصنع ... نعمل ... نخرج من المصنع إما فى الرابعة عصراً أو فى السادسة والنصف ... نعود إما إلى الفندق أو إلى المطعم اللبنانى ... ولم يكن مكان تناول الغذاء يختلف عن مكانين ... إما المطعم اللبنانى القريب من الأوتيل ... أو مطعم الأندلس الموجود داخل الأوتيل والبايلا الرهيبة التى يقدمها رغم ارتفاع سعره .... وبالطبع قبل الأكل وبعده الكثير من دخان الشيشة ... لا لشئ سوى لمجرد الشعور بأنك لم تغادر أرض الوطن
ويتميز حجر الشيشة فى الجزائر بأنه يعيش لفترة طويلة ... ربما بسبب الولعة التى تختلف عن الولعة الموجودة فى مصر ... فالولعة لديهم هى عبارة عن قطعة فحم تشبه الكازوزة يتم تسخينها قليلاً بالكبريت ويتم وضعها على الشيشة بعد ذلك .. وقال لى أحدهم أن هذا النوع من الولعة موجود فى بعض الأماكن فى مصر واسمه الولعة السريعة أو الإشعال السريع .. لا أدرى هل هى موجودة بالفعل أم أنه كان يخدعنى ؟؟
وفى الفندق بعض العمل .. بعض التلفزيون .. بعض النت .. القليل من القراءة ... وبعض النوم ....
وفى يوم من ذات الأيام وبينما كنت أستعد للنوم فوجئت بالفندق يهتز بشدة ... اهتزاز شديد حقيقى وليس مجرد شخص يجرى فى الدور العلوى ... وقبل أن أستوعب الموقف وأجرى من مكانى إلى الخارج توقف الاهتزاز ... اتصلت بالاستقبال – لا أدرى لماذا – وسألتهم : ما الذى حدث ؟ فأجابنى أحدهم بمنتهى البرود : لا شئ ... إنه زلزال ... لا تقلق
كيف لا أقلق ؟؟ زلزال قوى .. والفندق يتكون – على ما رأيته – من زجاج يفصله عن بعضه بعض المعادن البسيطة ... ولا تريدنى أن أقلق ؟؟ بل سأقلق ....
المهم أننى هدأت عندما علمت أنه زلزال وأنه لا داعى للقلق فذهبت إلى النوم .. واستيقظت على اهتزازات خفيفة ثلاث مرات فى هذا اليوم
فى صباح اليوم التالى عرفنا من نشرة الأخبار فى إذاعة وهران أن الزلزال كانت قوته 5.3 درجة بمقياس ريختر ... – أو على سلم ريشتر كما نطقتها المذيعة - ... ثم أتبع الزلزال بعض التوابع تتراوح ما بين 2 – 3.5 على سلم ريشتر – أو على مقياس ريختر كما أنطقها أنا –
يتسم الشعب الجزائرى بالعصبية المفرطة ... يتحدث إليك بخلق أضيق من ثقب الإبرة .... تشعر أنه يريد أن يضربك بالرصاص ليرتاح منك ومن شكلك ... فإذا كانت هذه هى طبيعتهم فكيف تتوقعون تعاملهم مع موظفى الشركة التى اشترت شركتهم مع توقعهم بأننا سنفصلهم من العمل فى أى وقت ؟؟
كما يتسم – معظم من قابلتهم – بالبخل الشديد ... ذلك البخل الذى يعطى أحدهم الجرأة على أن يعمل معك من الثامنة صباحاً حتى الثانية ظهراً ثم يتناول غداءه أمامك دون أن يفكر فى دعوتك ولو من باب المجاملة ..... تباً للبخل الجزائرى أو للكرم المصرى ....
اليوم تذوقت حساءاً غريباً جداً فى مطعم الأندلس ... يسمونه : " حريرا " .. وهو حساء مغربى فى الأساس ولكنه انتشر فى دول المغرب العربي كلها ... أحمر اللون مثل الصلصة وبه " لسعة حرقان " خفيفة ولكنها – يالدهشتى - محببة إلى النفس
اليوم هو الجمعة ... سمعت من مديرى خبراً كاد أن يقتلنى سروراً وسعادة .... سأعود بإذن الله إلى مصر يوم الإثنين ... يومان فقط وفى الثالث سوف أطير ...
علىَّ أن أبدأ إذن فى ترتيب أمور سفرى وحجز التذاكر اللازمة ....
كالطفل كنت أستعجل يوم الرحيل عن الجزائر ... ربما لم أمقتها بهذا الشكل على قدر ما كرهت العمل فيها والإقامة فى مدينة وهران الميتة قبلاً ...
وطبعاً بفضل حسد زملائى الأعزاء على غرار : الله يسهل له راجع مصر .... لم أستطع حجز تذكرة يوم الاثنين .. فاضررت لحجزها يوم الثلاثاء ... وهران الجزائر – الجزائر القاهرة
ويمر السبت والأحد ... اليوم هو يوم سعدى ولا شك ... فأولاً أنا عائد – بمشيئة الله – إلى وطنى غداً
وثانياً ذهبت إلى أحد المطاعم لتناول العشاء فوجدت عندهم فولاً ... والفول للمصرى كالماء للسمك ... شعرت بأننى عدت إلى الوطن
وثالثا: شاهدت جزائرية جميلة .. وهى معجزة لا تقل عن معجزة الفول فى الجزائر
ودعت أصدقائى .... ونمت فى الواحدة صباحاً استعداداً للاستيقاظ فى الرابعة لألحق بأوتوبيس الشيراتون الذى يتجه إلى مطار وهران فى الخامسة والنصف لألحق بطائرتى فى السابعة إلا الربع .
استيقظت – بعد مداولات مع محمولى – فى تمام الرابعة والنصف ونزلت إلى بهو الفندق وأجريت إجراءات المغادة ثم إلى الأوتوبيس ثم إلى المطار ... وكان معى حقائبى الثلاث ..
استقبلنى موظف الاستقبال فى المطار بود مبالغ فيه وأخذ يصف لى كم أننى " منور البلد " ومرحباً بك يا مصرى يا شقيق ... ثم سألنى : شربت قهوتك اليوم ؟؟؟ أجبته أننى شربتها – لأتخلص من لزوجته- فقال لى أنه لم يشربها بعد .. وأخذ يكرر أريد بعض القهوة .. ثم أخرج من جيبه عملة معدنية – لعلها مائة دينار – وقال لى أن هذا ثمن القهوة هنا ...
آاااااااااااااااااه ... لقد فهمت ... إنه يريد نوعاً من البقشيش – لست أدرى لماذا - .. والأهم من أنى لست أدرى لماذا ..... كيف يطلب ضابط فى مطار يختم لك جواز سفرك بقشيشاً منك ؟؟ لقد تصورت أن لدينا فى مصر الحد الأقصى من الضباط اللى بياكلوها والعة ... المهم أننى استعبطت وتظاهرت بأنى لم أفهم مقصده وبعد أن يئس منى أنهى لى أوراقى وقبل أن أنطلق قلت له : " عندنا فى مصر اسمها الشاى مش القهوة .. قول للزباين عايز الشاى بتاعى وهم هايفهموك " ... ثم انطلقت
أنهيت إجراءاتى سريعا وبينما أنا أصعد إلى الطائرة شاهدت جميع الحقائب ملقاة على أرض المطار بجوار الطائرة دون عناية .. تباً ... متى سيضعونها فى الطائرة؟؟؟
أخذت مقعدى المفضل – بجوار النافذة – وبدأت أتململ ... متى ستتحرك الطائرة متجهة بى إلى الجزائر ؟؟ صوت المضيفة يعلو فى الطائرة : الرجاء من السيد مختار أحمد مراجعة مضيف الطائرة للأهمية ( هم فى الجزائر ينطقون اسم الأب قبل اسم الابن ) .... شعرت بالصدمة .. فقد تصورت أننى أفوق ذلك فى الأهمية وأن اسمى لن ينادى عليه إلا مقترناً باسم كابتن الطائرة أو مساعده على أقل تقدير .. المهم أننى توجهت إلى المضيف فأشار إلى حقيبتين يتميتين تقفان وحيدتين على أرض المطار.. ( ترى أين رأيتهما من قبل ؟؟؟ ) وسألنى : ألا تريد حقائبك ؟؟
( آه ... لقد تذكرت أين رأيتهما ... إنهما حقيبتاى ... )
أجبته : نعم .. لقد وضعتها على السير لتدخل إلى الطائرة
فأفهمنى بسلامته أنهم يأخذون الحقائب ويلقونها على أرض المطار وتكون هناك سيارة واقفة وعلى كل فرد أن يأخذ حقائبه – التى سبق أن سلمها لهم – ويضعها على متن السيارة التى ستضعها بدورها على متن الطائرة . يالسعادتى ... لقد أصبحت أخيراً شخصاً مهماً يتسبب فى تأخير إقلاع الطائرات ...
طار بنا الطيار – الذى كان فى الأساس طياراً فى إحدى ألعاب الplay station على ما يبدو – وأخذ يتلاعب بنا متذكراً إبداعاته فى ألعاب star war و 007 الشهيرتين ....
هذه المرة أنا أسافر وحدى .... مما يصيبنى بالفزع ... فبطل الفيلم لا تسقط به الطائرة إلا عندما يكون وحيداً .... وكان من المفروض أن أسافر يوم الاثنين وتم تغيير الميعاد فى اللحظات الأخيرة .. تماما كما هو حال أبطال الأفلام الذين تسقط بهم الطائرات بعد تغيير ميعادها فى اللحظات الأخيرة ... ومما يعزز خوفى أن أحد أصدقائى أعطانى سلسلة وأوصانى بعدم خلعها من عنقى أبداً .. دعونى أسألكم .. كم من أبطال الأفلام ماتوا بعد أن أعطاهم أصدقائهم سلاسل فضية وطلبوا منهم أن لا يخلعوها من أعناقهم أبداً ؟؟؟ عموماً سأعتمد على الله ثم على أننى لست بوسامة عمر الشريف فى فيلم فى بيتنا رجل ولأدعو الله أن أصل بالسلامة إلى يابسة الوطن المبللة بماء المطر الغزير ...
وصلنا إلى مطار وهران ... احتسيت الشاى فى الكافيه وجلست لأكتب قليلاً فى انتظار وصول طائرة صديقى فى العمل الذى من المفترض أن أقابله لمدة ساعة هى المسافة الزمنية ما بين وصوله وإقلاعى إلى القاهرة ...
سألت ضابط الأمن الواقف بجوار الميزان : أين أضع حقائبى ؟؟ فأشار لى بقرف إلى أحد السيور وقال: حطهم هنا ... فكلزه زميله الذى أعطيته باسبورى وتذكرتى وهمس له بصوت تعمد أن يصلنى : الباشا بيزنس .... فظهر الفزع على وجه الضابط وأشار إلى سير آخر فارغ تماماً وقال باحترام : هنا يا سعادة الباشا ... ثم حملهم بنفسه ووضعهم على السير مبتسماً ... كل هذا لأننى أسافر بيزنس كلاس؟؟ بركاتك يا اللى فى بالى ...
وهكذا أنهيت إجراءاتى وما زال أمامى ثلاث ساعات على ميعد طائرتى ... جلست أضيع بعض الوقت فى القراءة والكتابة والتسكع فى المطار وشرب الشاى بلبن فى أكثر من كافيه ولم أقابل صديقى لتأخر طائرته قليلاً حتى جاء موعد دخولى لصالة انتظار الطائرة ... فوجئت بتفتيش دقيق بشكل غير طبيعي .. كان على أن أخلع سترتى وأضعها داخل جهاز الكاشف " السونار " وكذلك أضع موبايلى داخل الكاشف أيضاً .. ومن باب الرخامة وضعت له أيضاً بعض العملات المعدنية مع الموبايل ... فليكن تفتيشاً إذن .. وبالطبع لقد أصدر جهاز كشف المعادن صافرته المميزة التى تعلن عن مرور ابن لادن تحته عند مرورى ... فحتى مع تخلصى من من الموبايل والجاكيت والعملات المعدنية مازال هناك الحزام والحذاء ذو الأجزاء المعدنية .. وربما السلسلة الفضية إياها تزعج الجهاز أيضاً ... المهم أن الضابط فتشنى بدقة خبير كيميائى ثم تركنى أعبر ... لأصل إلى الرجل الذى سيسألنى عن ما معى من نقود وإذا أخبرته أن معى دولارات فيجب على أن أعطيه إيصال تسجيل الدولارات الذى أخذته عند دخولى للجزائر ... وبالطبع ليس معى هذا الإيصال .. وهكذا خبأت نقودي جيداً فى حقيبة اللاب توب وقمت بأول عملية تهريب فى حياتى ... 800 دولار وحوالى 3000 دينار جزائرى
جلست فى الصالة ما لا يزيد عن خمس دقائق ثم انتظمت فى طابور دخول الأنبوب المفضى إلى الطائرة لا أحمل إلا حقيبة اللابتوب .. وفى نهاية الأنبوب قبل الطائرة شاهدت عملية تفتيش دقيقة جداً للحقائب... أخرجت الدولارات – التى اتفقنا أنها مهربة – ووضعتها فى جيبى ووصلت "للست المفتشة" التى أخرجت أحشاءها ( أحشاء الحقيبة وليست المفتشة ) .. حتى وصلت للممنوعات التى معى ... زجاجة العطر ... ورفضت أن أصعد بها إلى الطائرة لأنها تحتوى على سبرتو ويمكن استخدامها فى عمليات إرهابية ... نشفت دماغها ونشفت دماغى ... وطبعا لا يوجد أنشف من الدماغ المصرى .. وهكذا أعطتنى عطرى ودخلت الطائرة وخلفى زوج من المصريين الذين يفضحوننا فى كل المطارات ... كل منهم يحمل شنطة بلاستيك بها بعض البلح ليتسلوا به أثناء الرحلة ... يمكنك ببساطة أن تعرف مكان تواجد المصريين من خلال نوى البلح أو قشر اللب على الأرض ...
دخلت أخيراً إلى الطائرة ... على يمينى الدرجة الاقتصادية .. وعلى يسارى درجة رجال الأعمال أو ما يسمونه البيزنس كلاس ويفصلهما ستار ... دخلت إلى اليسار حيث مكانى ... وعن ال Business Class أحدثكم ...
جزء فى مقدمة الطائرة بعيداً عن المحركات وهدير المراوح المزعج .. يتكون من 24 كرسى لا أكثر فى ثلاثة صفوف طولية وأربعة صفوف عرضية ... كرسيان فى اليمين وكرسيان فى الوسط – حيث كان مكانى – وكرسيان فى اليسار ... وبين كل كرسيين واللذين يجاورانهما أو يليانهما مكان متسع جداً حيث يمكنك الجلوس كما تشاء ... وكل كرسى على حدا له ترابيزة للطعام تخرج من مسند اليد الأيسر وشاشة دى فى دى فى الجزء الأمامى من مسند اليد الأيمن عليها الكثير من الأفلام يمكنك مشاهدة ما يروقك منها مع وجود ريموت كنترول فى الجزء الخلفى من مسند اليد الأيمن لتقديم أو تأخير أو إعادة أو تحويل الفيلم .. فهو لك وحدك ... هذا بخلاف الألعاب الموجودة على الشاشة والموسيقى والراديو والإنترنت والفاكس والتليكس والتليفون ورسائل الSMS .. كل هذه الأشياء فى الشاشة التى أمامك والريموت كنترول ... أما الكرسى نفسه فيمكن إرجاع ظهره للخلف حتى يصبح سريراً ( فالمسافة بينك وبين الكرسى الذى خلفك واسعة جداً ) ... كما يمكن فرد الجزء السفلى منه ليتحول إلى ما يشبه الشيزلونج ... وظهر الكرسى نفسه يمكن التحكم فى درجة انبعاجه أو فلطحته ... ومقعد الكرسى بإمكانك تقديمه للأمام أو إرجاعه للخلف ... كل هذا بضغطات أزرار بحيث تحصل على أكبر قدر ممكن من الراحة ... وهناك أيضاً ما إن يصعد الجميع حتى تأتى المضيفتان الجميلتان المخصصتان لنا فقط –كرجال أعمال – وتوزعان علينا المناديل المعطرة ... ثم كوباً من العصير حسب رغبتنا ... ثم أحد أنوع الحلوى اللذيذة ( الملبس أو الأرواح كما ينطقها بعض الفقراء الذين يجلسون فى الجزء الخلفى من الطائرة ) ... وإذا أردت خلع جاكيت البذلة فستأخذه منك المضيفة لتعلقه على مشجب بالداخل .... وعندما يحين وقت الغذاء فلن يضعوا لك الطعام مباشرة ... بل سيعطونك قائمة طعام Menu لتختار منها ما تشاء .. وكالمطاعم تأتيك السلطة أولاً ثم بقية الطعام ... ثم المشروب الذى تريده يا سعادة الباشا ...
أضعت وقتى فى مشاهدة فيلم لمستر بين ... ثم داى هارد الجزء الرابع وكثير من الهجص المعتاد لبروس ويلز ... حتى وصلت الطائرة إلى مطار القاهرة وحطت بسلامة الله ...
وفى مطار القاهرة كدت أن أتعارك مع أحد المصريين الهمج .... تباً ... لقد عدت إلى أكثر بلاد الله همجية مرة أخرى بعد ثمانية عشر يوماً من الغربة ... يا أهلاً بالمعارك ... ويا بخت من يشارك .....
قد يسألنى أحدكم ... ألم يعجبك شئ فى الجزائر ؟؟؟
وأجيبهم : بلى .. هناك ما أعجبنى فى الجزائر بالطبع ... وهل توجد دولة جميع ما فيها سئ حتى ولو كانت الجزائر ؟؟
مما أعجبنى فى الجزائر ولا يمكنك رؤيته إلا فى الشيراتون تلك النادلة المكتنزة التى كانت تعمل فى البوفيه المفتوح صباحاً ... كانت تدخل من البوفيه إلى المطبخ حاملة بعض الأطباق المتسخة ولكنها لم تكن تعانى من أى صعوبات فى فتح الباب ... كنت أتصور فى البداية أن الباب يفتح أوتوماتيكياً عند وقوفها أمامه ولكنى اكتشفت أن لديها من الأسلحة ما يمكنها من فتح الباب دون أن تلمسه ... بيديها..
مما أعجبنى أيضاً فى الجزائر موظفة الاستقبال – التى أظن أنها لبنانية – ممتلئة القوام التى حلت لى مشكلة الكارت الذى رفض أن يفتح لى غرفتى ذات يوم وأخبرتنى أن حجزى سينتهى اليوم .. ثم جددته لى من أجل سواد عيونى – نفس الموقف حدث لى فى الخرطوم لو أن أحدكم يتذكر –
من الأشياء الرائعة كذلك فى الخرطوم شوربة الحريرا – التى سبق الحديث عنها – واللحوم بصفة عامة والبطاطس المقلية والطماطم وسلطة النسواج أو النسواش أو النسواس ... وهى عبارة عن سلطة خضراء عادية عليها تونة وبيض مسلوق وبعد السوائل غريبة الشكل ... جميلة الطعم ..
وقد شرح لى أحد الزملاء الجزائريين سبب جمال طعم اللحوم وخاصة لحوم الكباش أو الجديان .. السبب هو أن هذه الحيوانات تأكل من المراعى الطبيعية فى الجبال .. وهذه المراعى ينمو فيها نبات الشيح بكثرة ... مما يعطى لحومهم رائحة ونكهة طيبة جداً سببها الشيح .... ربما هو صادق .. عامة لست من هواة الشيح أساساً
شئ آخر أعجبنى هو البايلا التى يقدمها مطعم الأندلس الموجود بالفندق .. وعن البايلا أحدثكم ... هى عبارة عن وجبة تكفى اثنين .. تكفيهم تماماً .. تتكون من الأرز المخلوط بالكثير من السبيط والجمبرى ومختلف أنوع الأسماك .. والجمبرى الكبير والكابوريا ذات الأيادى الطويلة .. لدرجة أننى رفضت أكل أحد الكابوريات لأنى خفت منها فعلاً .. كانت تشبه الآلى المقص أقوى أعداء مازنجر على الإطلاق ... والله العظيم لقد خفت منها فعلاً ... كانت تصلح كشخصية كارتونية أو فى أحد أفلام الرعب ... فيلم عودة الكابوريا القاتلة ... ولكنها مع ذلك وجبة مؤرقة الكمية .... ومؤرقة الجمال .
حسن ..... لقد انتهيت ..... هل من تعليقات ؟؟؟
ماذا ؟؟؟ نسيت أن أحدثكم عن شريكى وشريكتى فى الرحلة من القاهرة إلى وهران ؟؟ لا أذكر أننى وعدتكم بذلك ... حسناً ... أنا أكذب .... إننى أذكر وعدى جيداً .. ولكن كرهى للجزائر والعمل فيها لا يدع لى مجالاً للحديث عن الأشخاص الظرفاء اللطفاء ... فليكن لهما موضع حديث آخر إذن ...
سألتنى صديقة : لماذا أحببت السودان وكرهت الجزائر ؟؟
قلت لها : بلد استقبلتنى بالأمطار وبلد استقبلتنى بزلزال ... فأيهما أحب وأيهما أكره ؟؟؟
عشر نصائح لمن يسافر إلى الجزائر :
1. لا تحاول الحديث بالعربية
2. لا تحاول الحديث بالإنجليزية
3. لا تحاول الحديث بالعامية المصرية
4. لا تحاول الحديث بالعامية الجزائرية
5. لا تتحدث بغير الفرنسية
6. لا تحاول المجادلة مع الجزائريين
7. لا تحاول مصاحبة الجزائريات لأن معظم الجزائريين كالصعايدة فيما يتعلق بالشرف
8. لا تحاول مصاحبة الجزائريات من القلة اللاتى ليس لديهن أهل من الصعايدة .. فالجزائر تعانى من أزمة حقيقية فى مستوى الجمال
9. لا تحاول البحث عن ساندويتش فول إذا اشتهته نفسك
10. لا تحاول شرب شيشة معسل
نصيحة أخيرة :
إذا دعتك قدرتك إلى ظلم الناس ... فتذكر قدرة الله على إرسالك إلى الجزائر
الجمعة، يناير 11، 2008
يعنى إيه كلمة وطن
عمرك فكرت يعنى إيه كلمة وطن ؟؟
أنا مش جاى أتفلسف وأقول كلام كبير
أنا جى أقول كلام حسيت بيه من أول يوم صحيت فيه من النوم فى الجزاير
أنا من أكتر الناس اللى لعنوا أبو خاش البلد دي .... بجد مش طايقها .... وبيتهيألى إن كلنا كدة
لكن فى الغربة الإحساس مختلف
حد هايسألنى غربة إيه دي اللى أسبوع وللا أسبوعين ؟؟؟هارد عليه وأقول له عارف لما تصحى الصبح ماتلاقيش مامتك بتعمل لك كباية الشاى ؟؟ وتخرج من الأوضة ماتلاقيش اخواتك ؟؟ وتنزل من البيت ماتلاقيش عربيتك ؟؟ وماتقابلش رمضان البواب وماتقابلش عم سعد الحلاق اللى حاطط ماكينة تصوير عشان يحسن دخله ؟؟ ماتلاقيش سواق ميكروباص بيكسر عليك ويشتمك ؟؟عارف لما تكون بتعمل حاجات معينة وفجأة تلاقى نفسك مش بتعمل أى حاجة منها ... يعنى ماتلاقيش نفسك ... وماتلاقيش وطنك ؟؟؟
عارف يعنى إيه كلمة وطن ؟؟
وطن يعنى عمرك ... تاريخك ... اصحابك .... حياتك اللى فاتت واللى جاية
مصر مش النيل ولا الوادى ولا سينا
مصر مش الأهرامات ولا ابو الهول ولا الكرنك
مصر مش مبارك ولا السادات ولا أحمس
مصر مش عادل إمام ولا فريد شوقى ولا سعاد حسنى
مصر مش محمد منير ولا مدحت صالح ولا أم كلثوم
مصر مش الاستفتاء ولا الانتخابات ولا قانون الطوارئ
مصر مش تلات ألوان على حتة قماش ولا نسر مرمى على أرض بيضا
مصر مش بلادى بلادى ولا يا أحلى اسم فى الوجود ولا المصريين أهما
عارفين ليه ؟؟؟؟
لأن كل دي حاجات كان ممكن ماتبقاش موجودة ... ولأنى لو كنت هندي كنت هاحس بنفس الحنين للهند
مصر بالنسبة لى هى أنا ... وبالنسبة لك هى إنت ... وبالنسبة له هى هو
الشعور بالغربة يعني الشعور باليتم
الغربة إنك تبقى عايز تعيط
الغربة إنك تركب طيارة بتجري بيك من نفسك بسرعة 900 كيلو فى الساعة
إنك تشوف بلدك عمالة تصغر تحتك وإنت عمال تطلع فوق
إن اصحابك يودعوك على باب المطار
إنك تسلم على آخر جزء بيربطك بتاريخ ممتد من ساعة ماخرجت من وطنك الصغير فى بطن أمك لوطنك الكبير
إنك تبقى عارف إنك لما تنزل تركب ميكروباص نص ساعة مش هاتوصل للكافيه اللى اتعودت تقعد فيه
انك ماتلاقيش حد فى الشارع بيقول لك إنت بتزاولنى وللا إيه يا برنس
الغربة إنك تلاقى نفسك - فجأة - فى حتة تانية
إنك وانت مش فى بلدك تقول عليها " هنا " وتقول على الحتة اللى انت فيها " هناك "
عارف لما تفتح التلفزيون وتلاقى عصام كاريكا بيغنى وتلاقى نفسك قاعد مشدود ومتابع كأنك بتسمع قارئة الفنجان ؟؟
لما يبقى نفسك فى طبق كشرى بالدقة ؟؟
لما تبقى الحاجات اللى كنت بتقرف منها فى بلدك مجرد حلم نفسه يتحقق وعارف إنه مش هايتحقق ؟؟
لما تدخل على جوجل وتكتب مصر وتتنشق على أخبارها ؟؟
ساعات باسأل نفسى .... هو ليه الإنسان بيحب بلده ؟؟
تعود ؟؟
سفسطة ؟؟
رغبة فى الانتماء لأى كيان ؟؟
ولحد دلوقتى مالقيتش الاجابة
هو القط مابيحبش الا خناقه فعلا ؟؟
صعب قوى إن كل علاقتك بوطنك تبقى قناة فضائية أو صفحة على النت أو أغنية فى كاسيت
صعب إنك تتخيل نفسك عايش جوة قناة فضائية أو صفحة على النت أو كاسيت
عمرك سألت نفسك ليه الطيارة اللى واخداك ومسافرة بتمشى بسرعة واللى مرجعاك بتمشى على مهلها ؟؟
ليه وانت فى بلدك بتسهر لحد الساعة 3 الصبح وتقوم الساعة 6 فايق .. وفى الغربة مهما تنام بتحس انك لسة عايز تنام ؟؟
عارف ليه دعوة المسافر مستجابة زي دعوة المظلوم ؟؟
عشان الاتنين بيبقوا لوحدهم قوي
عارف صعوبة إنك تبقى لوحدك رغم انك وسط 30 مليون إنسان ؟؟؟
عارف صعوبة إنك تقف قدام المراية تشوف حد تانى ومكان تانى ؟؟
عارف .....
مصر وحشتنى .....
قوى
الأحد، سبتمبر 02، 2007
من الخرطوم أكتب لكم ... الحلقة الثالثة والأخيرة
استيقظت فى السابعة والنصف كعادتى ودون أن آخذ حماماً غسلت وجهى وانطلقنا للبوفيه ... ولم يكن لى رغبة فى الطعام فاكتفيت بقطعتين من النقانق وشريحتين من اللانشون وقطعة مربى خوخ ثم قطعتين من شئ لا اعرف اسمه ولكنه يشبه الكورواسون بالشيكولاتة مع الشاى بالحليب ... ثم وجدنا السائق ووصلنا الشركة فى التاسعة والنصف ليصل بعدنا بربع ساعة أحد موظفى شركة الكمبيوتر ليحضر لنا هارد ديسك جديد ... وبالمناسبة فقد كان موعده فى الثامنة .... لن أتحدث عن هذا ... أحضر لنا الهارد ثم تطوع مشكورا بعمل فورمات للهارد الأول ليضيع عمل زميلنا مسئول تكنولوجيا المعلومات الذى يقوم به منذ ثلاثة أيام .... حسناً ... لن أتحدث عن هذا أيضاً .
كانت مهمتى اليوم مهمة مستحيلة ... أتحدى توم كروز شخصياً أن يقوم بها ... كانت مهمتى أن أقول بتعليم المحاسب كيفية العمل على النظام الذى نسجل به الحسابات على الكمبيوتر ... كنا نستخدم برنامجاً يدعى كومسيس ….. سأشرح لكم هذا البرنامج لو لم أنساه أنا شخصياً .... دعواتكم ...
يكفى أن أخبركم أن مديرى الذى حضر معى من مصر – وهو رجل ملتحى وبتاع ربنا – فاض به الكيل فسب الدين وأطلق من الألفاظ ما يكفيه ليعذب جوار أبى لهب فى النار .... أما أنا فقد أطلقت من الألفاظ ما يكفينى لأصبح أحد وسائل التعذيب هناك مع الغسلين ...
بالطبع نسيت الحسابات والمحاسبة بجلوسى مع محاسب الشركة وأعتقد أننى أصبحت مهدداً بالرفد من الشركة ... أو الرفت كما يحلو للمتقعرين فى اللغة أن يكتبوها ....
هل تذكرون الشاب الذى أخذ عدة دروس فى المذاهب الأربعة لمدة ثلاثة شهور ثم سأل أستاذه سؤالاً كى تثبت المعلومة فى رأسه ... وكان هذا السؤال هو : هل كان الرسول حنبلياً أم شافعياً ؟؟؟؟ هذا الشاب نموذج حى للذكاء إذا ما قورن بالمحاسب السودانى الذى أنسانى المحاسبة وأساساتها ....
لن أحكى لكم عن مغامرتى فى تعليمه ... المهم أننا رحلنا فى الساعة الثالثة لنزور السوق ونشاهد الخرطوم قبل أن نرحل منها مأسوف – أو غير مأسوف – علينا .....
استقلينا السيارة فقال زملائى للسائق نريد أن نشترى بعض البهارات والحناء .. فقال : جداً إن شاء الله ... وكلمة جداً معناها بالتأكيد .. قلت له أننى أريد شراء سوفونير لأصدقائى .. فقال : شنو ؟؟؟ وشنو تعني ماذا تقول ؟؟
لم أستغرب عدم فهمه ... فلو فهم المحاسبون لفهم السائقون فى هذه الدولة التى تعتبر الفهم قضية تهدد أمن الدولة ....
انطلق بنا إلى وسط المدينة لتنقض علينا شحاذة عجوز ومعها صبية صغيرة ... لم تكن جميلة – الصبية وليست الشحاذة - ولكنها كانت قمحية اللون وهذا يكفى لكى نظن أنها فرنسية فى دولة السواد الأعظم .... جرت الصبية خلفى عندما علمت من لهجتى أننى مصرى وأخذت تستحلفنى بالسيدة زينب لأعطيها بعض ال...... دولارات ...
ابتسمت وسألتها – بينما زملائى فى أحد المحلات - : إنتى منين ؟؟ قالت أنها من هوارة ....
سألت نفسى : هل وصل ذئاب الجبل إلى هنا ؟؟ ثم سألتها : هل وصل ذئاب الجبل إلى هنا ؟؟
قالت : لا أنا من هوارة من المنطقة الفلانية ( منطقة فى السودان ) ..... ظلت تسير معى وتكاد تتأبط ذراعى وهى تشحذ منى بأسلوب يتسم بخفة دم ... تأملتها فإذا هى فى حوالى الرابعة عشر من عمرها ... كان يمكننى أن أعطيها دولاراً مقابل قبلة ... ولكنى تذكرت أننى فى بلد ينتشر فيه الكوليرا والملاريا أكثر من المواطنين أنفسهم ...
ركبنا السيارة مرة أخرى وقال السائق أنه سيأخذنا إلى منطقة أم درمان حيث السوق الكبير هناك ... سرنا بالسيارة حوالى نصف ساعة شاهدنا خلالها التقاء النيل الأبيض بالنيل الأزرق ..... حيث يوجد فى السودان نيلان هما الأبيض والأزرق يلتقيان قرب أم درمان ليكونا النيل الذى نراه فى مصر المحروسة ....
عندما وصلنا إلى أم درمان وجدنا العديد من المؤسسات كالمستشفيات وغيرها مكتوب عليها أم درمان ... مرة أمدرمان ... ومرة أم درمان ... سألت السائق هل الصحيح أم درمان أم أمدرمان ؟؟ فقال بذكاء : أى نعم صحيح .... وبالمناسبة فقد كانت هذه إجابته على أى سؤال يوجه إليه ...
دخلنا أم درمان فى شارع يتلوه شارع يتلوه زقاق حتى وصلنا إلى منطقة ضيقة جداً هى السوق ... ولأننى لم أحضر معى الكاميرا الخاصة بى فسأحاول أن أصف لكم المكان
هو عبارة عن شوارع كثيرة تتقاطع طولاً وعرضاً مكونة عشرات المربعات التى تمتلئ عن آخرها بالبائعين والمحلات الصغيرة والشباب الذين يدفعون أمامهم عربات صغيرة تحتوى على البضائع .... كما تحتوى – مثل سائر أقطار الخرطوم – على الكثير من الركش – جمع ركشة - ... والركشة هى موتوسيكل تمت تغطيته ويتم استخدامه لتوصيل المواطنين وحاجياتهم ... ولمن لم يستوعب ما هى الركشة أخبرهم أنها التكتك ... وهم يطلقون عليها التكتك أيضاً أحياناً ....
دخلنا السوق الضيق وبعد العديد من المغامرات التى خاضها السائق تمكن من أن الانتظار جانباً .... ونزلنا ونزل معنا واشترى زملائى بعض التوابل والحناء وقام السائق بواجب معهم حيث قام بالفصال كما ينبغى ... وعندما وصلت أنا لأشترى بعض الإكسسوارات لأصدقائى كأحد أنوع ال Souvenir أو التذكار تخلى عنى السائق ولم يذهب معى ... وذهبت وحدى للبائع لأكتشف أحد أهم مميزات الكسل الشديد لدى السودانيين ...
أمسكت بأحد المسابح وسألت البائع : بكم هذه ؟؟ فقال : بخمسة وعشرين .. قلت له سأشترى كمية فقل كلاماً جاداً حتى أشترى منك .. فنظر لى بكسل وقال : خدها بخمستاشر ....
هكذا بسبب أنه كسول ولا يريد إضاعة مجهوده فى الفصال ....
اشتريت منه مجموعة من الإكسسوارات تساوى – كما قال فى البداية – 50 جنيها - .. وبعد الفصال اتفقنا على 32 جنيها .. سألته : ألن تعطنى هدية بعد كل هذه المشترايات ؟؟؟ بمنتهى الكسل أعطانى مسبحة صغيرة ....
أخذتها منه ثم أخرجت من جيبى 30 جنيها وأعطيتها له وعندما طالب بالجنيهين قلت له أننى من منطقة من مصر تدعى شبرا ولن يستطيع أن يخدعنى فما اشتريته لا يساوى أكثر من ذلك .....
تركته وتوجهت للسيارة وبدأنا رحلة الخروج من السوق حيث الزحام الشديد ....
خرجنا من السوق بعد كفاح يفوق ما قامت به الثورة الفرنسية ضد النازية ...... قبل أن أكمل أود أن أقول ملاحظة صغيرة ...
أنا الآن على متن الطائرة المتجهة إلى القاهرة ونحن نطير منذ حوالى عشر دقائق أو ربع ساعة ويبدو أن شيئا ما ليس على ما يرام .... نعود لقصتنا .....
ما إن ركبنا السيارة حتى بدأت تمطر ... بدأ كمطر خفيف ثم بدأ يزداد حدة حتى صار قوياً ... ويبدو أن الأمطار التى قابلتنا أبت إلا أن تودعنا ....
ملاحظة أخرى ... أقسم لكم أن شيئاً ما ليس على ما يرام فى هذه الطائرة اللعينة ......
انطلق بنا السائق – سائق السيارة وليس الطائرة - فى الأمطار وبدأت الطرقات فى الزحام كأن هناك متلازمة فى السودان ما بين الأمطار والزحام أو كأن السماء تمطر ماءاً وسيارات ......
أمام مطعم أمواج توقفنا قليلاً لنشترى بعض الطعام .... اشترينا دجاج بروست – وجبة لكل منا – ورغم أنها لذيذة إلا أنها لم تعجب زميلنا مسئول تكنولوجيا المعلومات – هكذا قال لى الآن - ...
" هل تسقط الطائرة أم أنها تهيؤات ؟؟؟ "
وصلنا إلى الفندق فى السادسة والربع وافترقنا فى الممر .... حاولت فتح غرفتى بالكارت الممغنط ولكنه رفض .. ظننت أننى وضعته مقلوباً مثل كل مرة ... تأكدت من كونه فى الوضع الصحيح ... ثوان وظهر شركائى فى الرحلة ليؤكد كل منهم أن الكارت رفض فتح الغرفة وبالعودة للاستقبال أخبرونا أن الحجز ينتهى فى الثانية عشرة ظهراً ... ولكن موظفة الاستقبال – إكراماً لخاطرى وسواد عيونى – وافقت على أن تمد لنا الحجز حتى السابعة والنصف مجاناً ... أخذنا الكروت وانطلقنا للغرف على أن نلتقى فى السابعة والنصف لننهى إجراءات المغادرة ونتجه للمطار حيث الطائرة فى التاسعة مساءا ...
" أتمنى أن تكون تلك الاهتزازات هى مجرد مطبات هوائية فقد مرت نصف ساعة على الطيران ولازالت أضواء الطائرة مغلقة وعلامة ربط الأحزمة مضيئة "
" المزيد من عدم الاستقرار فى الطائرة .... تباً .. الفوبيا بدأت تعمل عملها فى داخلى " .....
فى السابعة والثلث حضر صديقى مدير تكونولوجيا المعلونات وأنا آخذ حمامى فاعتمدت على أمانته وفتحت له الباب وأنا عار تماما وقلت له أن ينتظر لثوان قبل أن يدخل حتى أعود للحمام .. ولا أدرى هل نظر أم لا ......
ارتديت ملابسى بسرعة وقابلنا مديرى وانطلقنا إلى الاستقبال لننهى إجراءاتنا ونسبح وسط عشرات الأسئلة ومحاولات الفكة وأسعار العملات من الدولار للجنيه السودانى ... حصلنا على الفواتير ثم غادرنا الفندق ووصلنا إلى المطار فى الثامنة تماماً ....
" هل تحتوى هذه الطائرة على صندوق أسود أم أن سرنا سيدفن معنا ؟؟ "
فى المطار ... دخلنا من البوابة ووصلنا إلى مكان أخذ التذاكر المحجوزة باسمنا وترك الحقائب للطائرة ... سألتنا الموظفة بأدب إن كنا قد دفعنا رسم المغادرة فنفينا فقالت ادفعوه ... 35 جنيه للفرد ... هل يمكن أن ندفعها بالدولار ؟؟ لا يمكن ... ولكن هذا هو مكتب الصرافة يمكنكم تغيير بعض العملات منه ....
نتجه إلى مكتب الصرافة ... لا يوجد أحد ... ندوخ السبع دوخات حتى نعرف أين المسئول عنه فلا نجده ... يمر الوقت وتصل الساعة إلى الثامنة وخمس وثلاثون دقيقة .... حتى يظهر أخيراً بكرشه المتدلى أمامه ويقبل بمزيد من التعالى أن يغير لنا العملة ...
" تم فتح أنوار الطائرة ولكن شيئاً ما ليس على ما يرام ... ليست هذه أول مرة أطير فيها " .....
ندفع النقود ونتجه لصالة الانتظار .... نجلس قليلا وفى التاسعة وخمس دقائق يطلبون منا أن نتوجه للبوابة .. نتجه ونركب الأوتوبيس الذى يتجه بنا إلى الطائرة ... ننزل من الأوتوبيس فنجد كل الناس تتجه لأحد سلالم الطائرة بينما الآخر لا أحد عليه .. وكمصريين نستخدم الفهلوة ونتجه للسلم الآخر .... ونجلس أخيراً فى الطائرة ... فقد كان نظام التذاكر هنا free seats ... أى أن التذاكر بدون أرقام مقاعد ومن يجد مقعداً خالياً يجلس عليه .... وبالفعل لم يجد بعض الناس مقاعد وهبطوا إلا شخصاً واحداً ظل واقفاً لفترة حتى أفهموه أنه لا أمل فى أن يهبط أحد الركاب فى نصف المسافة ليجلس هو مكانه ... اقتنع بقولهم فى دهشة ثم نزل ....
أنا الآن فى الطائرة ... ولو قرأتم كلماتى هذه فمعناها أننا وصلنا بسلامة الله وأمنه ...
أنهيت مذكراتى عن الخرطوم وسأتفرغ الآن لمشاهدة فيلم Spider man الذى تعرضه الطائرة
بقى أن أقول لكم أن الخرطوم مدينة جميلة وفيها الكثير من التطور خاصة فى مجال المعمار ... وفيها مصنع لتجميع سيارات سوناتا الشهيرة .... لقد أحببت هذه المدينة .... وأعتقد أنها أحبتنى ... وإلا لماذا بكت أثناء مغادرتى ؟؟؟؟
الأربعاء، أغسطس 29، 2007
من الخرطوم أكتب لكم ... الحلقة الثانية
استيقظت فى الثامنة صباحاً للمزيد من العمل ... أو بمعنى أدق لكى أبدأ العمل حيث ضاع الأمس بدون عمل ....
اغتسلت سريعاً وأنهيت تحضيراتى وسحبت من خزينتى 1500 دولار وارتديت ملابسى وحملت اللاب توب الخاص بى وانطلقت خارجاً لأقابل زملائى ونتجه للإفطار .... وقررنا اختيار المطعم النوبى بالفندق والذى تميز عن مطعم الأمس – الشرقى - بوجود البيض المسلوق .....
خرجنا من قاعة الإفطار فى التاسعة والنصف وبدأنا نبحث عن السائق الذى كان موعده معنا فى الثامنة والنصف حتى لمحناه يدخل الفندق ليسأل عنا فى الاستقبال .. ركبنا معه وسألته لماذا تأخرت ؟؟ فقال بأنه لم يتأخر بل هو على البوابة منذ الثامنة ولما تأخرنا عليه وبدأ يشعر بالقلق قرر أن يسأل عنا .... لم يشعر بالقلق إلا بعد مرور ساعة ونصف على انتظارنا ... آه ... فكما أخبرتكم أن السودانيين هم الأطول روحاً ... والأطول نفساً
وصلنا إلى العمل فسألنا عن المحاسب فقيل لنا أنه ذهب ليشترى أجهزة الكمبيوتر إياها ... وبعد نصف ساعة حدث ما لم نكن نتوقعه ... لقد حضر المحاسب ومعه أجهزة الكمبيوتر ...
لن أتحدث عن العمل البطئ الممل الذى قمنا به ولا عن طولة البال السودانية الرهيبة فى العمل .... وعندما وصلت الساعة إلى الرابعة عصراً قال لنا المحاسب : عفواً سنضطر للانصراف الآن لأن لدينا عقد قران ينبغى علينا حضوره .
انصرفنا من العمل وركبنا السيارة واتجهنا لإحدى مكاتب الصرافة لتغيير دولارات إلى جنيهات سودانية ... وللجنيه السودانى حكاية طريفة ...
فالسوادن فيما مضى كان يتعامل بالجنيه .. ولما انخفضت قيمته بشدة قام بسك عملة جديدة واستخدامها وهى الدينار ... ثم لما انخفضت قيمة الدينار بشدة سك عملة جديدة هى الجنيه .... نعم ولكنه جديد يختلف عن الجنيه القديم ... فالجنيه الجديد يساوى ألف جنيه قديم ... وعندما تسأل عن سعر أحد السلع يخبرك به البائع السودانى بالجنيه القديم ... فعلبة السجائر مثلا سعرها 6000 جنيه ... فتدفع أنت 6 جنيهات ... حد فاهم حاجة ؟؟؟
عند عودتنا – مطرودين – إلى الفندق مررنا بمطعم مؤمن – تحيا مصر - لنشترى غداءا وعشاءا حيث أن حجزنا فى الفندق كان شاملا ً الإفطار فقط ... أحضرنا العشاء ودفعنا 99 ألف جنيه ( 99 جنيه ) وعدنا إلى الفندق ...
ملأت البانيو بالمياه وأفرغت فيه زجاجة كاملة من صابون مجهول الهوية وجدتها ثم قلدت الأغنياء الذين يستلقون فى البانيو الملئ بالماء والصابون .... وإن كنت لم أعرف كيف يقومون من هذا البانيو دون أن يعلق الصابون بأجسامهم ... المهم أننى انتهيت من حمامى وارتدين البرنس – تماما كالأغنياء أيضاً - .... يبدو أنها سفرية لتقليد الأغنياء الذين نراهم فى الأفلام القديمة ...
دخلت غرفتى لأشاهد التلفزيون وقررت أنى لن أخرج منها قبل الصباح .... فتحت التلفزيون فوجدت محمود قابيل أمامى ... قررت مخالفة ضميرى ومشاهدة محمود قابيل حتى ينتهى أو أنام .....
انتهى محمود قابيل ثم شاهدت فيلماً تافهاً لهاريسون فورد بعنوان Air Force One .. وهو أحد الأفلام التى تروج لشخصية الرئيس الأمريكى البطل ومساعديه العظماء .. وأمريكا التى لا تقهر ... حتى مع وجود بعض الإرهابيين أو الخونة ...
ياللرئيس البطل ... إنه يصر على إنقاذ الجميع حتى لو عرض نفسه للخطر ... وياللجنود البواسل ... كلهم يصر على افتداء حياة الرئيس ولو مقابل حياته هو شخصياً .... أمريكا فوق الجميع
انتهى الفيلم بانتصار الرئيس جيمس مارشال – هاريسون فورد – وعائلته وسلامة أمريكا وليذهب الإرهابى الروسى إلى الجحيم ....
ممممم ... فيلم آخر هو المرأة والساطور .... وفيلم آخر هو طأطأ وريكا وكاظم بيه ... سألت نفسى هل أشاهد التفاهة أم الغلاسة ... فكرت قليلاً وقررت أننى لن أشاهد أياً منهما ...
أشرب الكوكاكولا ... أطفئ الأنوار .... وأحاول أن لا أفكر فى الطائرات التى تسقط والتى شاهدتها بوفرة مع السيد هاريسون فورد ... فسأركب الطائرة بعد الغد .... وأنام ...
الأربعاء 22/8/2007
استيقظت فى السابعة والنصف على تليفون من مديرى ... أخذت دشاً سريعاً وانطلقنا للبوفيه ... وبينما نحن نحضر أطباقنا اكتشفنا الكارثة المريعة ... لقد انتهى الفول ...
لن أحدثكم كثيراً عن المشكلة التى أثرناها حتى أحضروا لنا الفول ... ولم يتعجبوا من ثورتنا فهم يعرفون أن الفول للمصريين كلحوم البشر للكانيبالز ....
وصل السائق باكراً جداً وحملنا وانطلقنا للعمل .... وفى الطريق مررنا بقصر الرئاسة وهو قصر فخم وجميع الشوارع حوله يمكن المرور منها بسهولة تامة .. فالناس فى السودان – وهذا غريب جداً بالنسبة للوطن العربى – يحبون رئيسهم بالفعل رغم أنهم دولة فقيرة أو شبه فقيرة ... والناس لا يحبون رئيسهم إلا حين يكونون أغنياء تماما كدول الخليج ....
لاحظت انتشار الضباط والعساكر بشكل كبير فى الشوارع .. وساءلت نفسى كيف لم أنتبه لانتشارهم وكثرتهم من قبل ؟؟ هل هو من فرط نحافتهم بحيث يكون كل ثلاثة منهم عسكرى واحد من عندنا ؟؟؟؟ وتمنيت أن أرى السادة اللواءات عندهم هل يتمتعون بنفس الرشاقة المؤذية أم أنهم كلواءاتنا البواسل جميعهم حامل فى التاسع ؟؟؟
أخبرتكم من قبل عن الكسل السودانى .. ولكننى اكتشف اليوم جانباً آخر من الكسل ... فقائدو السيارات إذا صادفتهم بالوعة فى الأرض فهم يمرون من عليها ولا يحاولون تفاديها ... هل تعلمون لماذا ؟؟ لأنهم يكسلون عن إدارة مقود السيارة بعيداً عنها ... وهذا ليس مزاحاً بل هو الحقيقة ...
وإذا وقفنا على مطلع الكوبرى لثوان معدودة يقوم قائد السيارة بجذب فرامل اليد بسبب كسله الشديد وعدم رغبته فى بذل مجهود الضغط على فرامل القدم ...
وهم يكرهون الشوارع المنحنية وال U-Turn كما نكره نحن ضباط الشرطة بسبب اضطرارهم لإدارة المقود .. وبسبب هذا الكسل المبالغ فيه تنتشر فيهم السيارات الأوتوماتيك بشدة ... ويكفى أن تعرفوا أن لديهم مدينة اسمها كسلة ... أو كسلا ... وأن معظم إعلاناتهم تركز على فكرة الراحة .....
وصلنا للعمل لنتحمل نفس الكسل السودانى .. واكتشفنا أيضاً الكثير من الغباء ... ولو كنت أعلم أنكم تعملون بالمحاسبة لأخبرتكم عن غباء الموظفين الذين تعاملت معهم وكيف تسير الأمور ؟؟
قال لى أحد المصريين الذين قابلتهم فى العمل وقد مضى عليه شهر فى السودان أنه اكتسب نفس الكسل السودانى ... وأخبرنى أن أكثر قطعة أثاث موجودة فى المنازل هى الفراش ... فكل منزل يجب أن يكون به العديد من الأسرة ( جمع سرير ) ليستطيع سكان المنزل النوم فى الوقت الذى يريدونه دون اضطرار للوصول إلى غرفة النوم ذاتها ....
وهم فى السودان يسمون الزواج بالمشروع المقدس ... ربما لأنه من المشروعات التى توفر لمنفذها الكثير من النوم ... تباً لهم .. لقد بدأت أتثاءب ....
لن أحدثكم كذلك عن جهاز الكمبيوتر الجديد الذى لا يعمل الذى أحضروه ومفاوضاتنا مع شركة الكمبيوتر لإبداله .. المهم أن هذه المفاوضات استغرقت اليوم كله تقريبا مع مفاوضتنا مع شركة الإنترنت لزيادة السرعة ... تساءلت فى البداية لماذا يرفضون زيادة السرعة رغم أننا سندفع مقابل هذه الزيادة ... ثم فطنت إلى السبب ... هم يكرهون السرعة وكل ما يمت للسرعة بصلة ....
انتهى اليوم على خير ورحلنا فى الساعة الرابعة والنصف ....
عدنا إلى الفندق ومررنا فى طريقنا بمطعم أمواج لنشترى طعام الغداء والعشاء كالعادة ... فى غرفنا تناول كل منا طعامه ثم التقيت مع أحد شركائى فى غرفته لنشاهد سوياً مباراة مصر وكوت دي فوار الودية ...
وبعد فاصل من حرقة الدم الخزعبلية عدت إلى غرفتى وأكملت بقية طعامى وقلبت فى التلفزيون قليلاً فلم أجد ما يمكننى مشاهدته ففضلت النوم .....
السبت، أغسطس 25، 2007
من الخرطوم أكتب لكم ... الحلقة الأولى
" سوكولوكو مالاهابى شيكابالا يديعوت أحرونوت ... سنكافولا سنكافولا سنتافيه ....... "
كانت هذه – على ما أذكر – كلمات الطيار الكينى والتى تؤكد لنا بما لا يقبل الشك أننا وصلنا بسلامة الله إلى الخرطوم ...
لم يكن طياراً سيئاً بحال من الأحوال ولم تكن الرحلة مزعجة بغض النظر عن المطبات الهوائية وعن أن الطائرة كانت تتبع الخطوط الجوية الكينية وتشبه الطائرات الورقية وعن الرجل السودانى الجالس أمامى الذى لم يتوقف عن الثرثرة مع جيرانه ولا عن طلب كل شئ تمر به المضيفة السمراء الكينية بدءاً من الكولا وحتى استمارة الدخول لغير السودانيين !!!
هبطنا فى مطار الخرطوم الدولى فى تمام الثالثة صباحاً وسط هدوء شديد ... وأول من قابلنا هو الجراد الذى أحسن استقبالنا فلم يصطدم بوجوهنا ... كنا وحدنا فى المطار ولم يكن عددنا كبيراً ولم يكن هناك سوانا من الأساس ... دخلنا إلى صالة المطار فأحسن السادة الضباط معاملتنا ... ربما شفقة منهم علينا كمصريين بعد هزيمة الأهلى أمام الهلال السودانى بثلاثية نظيفة فى السودان منذ ساعات ...
أنهينا إجراءاتنا وخرجنا لاستقلال السيارة التى كانت تنتظرنا فى الخارج لنتوجه إلى فندق السلام روتانا – الخرطوم
كان فندقاً فخماً بكل ما تعنيه الكلمة من معان ... لم يكن ليقل عن خمسة نجوم بأى حال من الأحوال ... أعطينا موظف الاستقبال جوازات سفرنا وتأكيدات حجز الغرف وريثما وقعنا الأوراق كانت الجوازات قد عادت إلينا فى واحدة من أسرع عمليات التصوير التى شهدتها فى حياتى ...
صعدنا إلى غرفنا الفخمة .... دخل كل من ثلاثتنا إلى غرفته ... أبدلت ملابسى واستلقيت على السرير كدب قطبى مرهق بينما الساعة تدق الرابعة صباحاً وكلى أمل فى أن يسقط الفندق على رؤوسنا فلا يوقظنى مديرى فى السابعة والنصف .
**********
لم يسقط الفندق على رؤسنا – ولا تتعجبوا فما كل ما يتمنى المرء يدركه - ... دق هاتف غرفتى عشرات المرات دون أن أفكر حتى فى التفكير فى الرد .. ولكننى أخيراً مللت فأجبت بصوت متماوت فجاءنى صوت موظف الاستقبال السودانى المهذب يقول إن مديرى حاول إيقاظى ففشل فكلفه بهذه المهمة ....
استيقظت من النوم – أو أن جسدى هو الذى استيقظ لو شئتم الدقة - ... جررت أقدامى جراً إلى الحمام غسلت وجهى ودعكت عينى عشرات المرات دون أن أفلح فى إيقاظ عقلى ... فكرت للحظة بأن أجلس على قاعدة الحمام لأمارس حقوقى الطبيعية ولكننى تذكرت أن هذه الأماكن الفخمة تعانى من مشكلة مزمنة فى الشطافات ... وتأكدت من هذا بلمحة سريعة ... فصرفت نظر عن فكرة حقوقى الطبيعية فى الوقت الحالى ...
وضعت رأسى تحت صنبور المياه وتأملت جميع الأشياء الموجودة على مرآة الحمام بدون فهم ثم هززت رأسى متعجباً من هذه الفنادق التى تضع مصنوعات فضائية للنزلاء ... خرجت وارتديت ملابسى وتوجهت للقاء شركائى لنتناول الإفطار فى الأوبن بوفيه ... كان علىَّ أن أخدم نفسى بنفسى .. تناولت بعض الفول غير المهروس ... وبعض البيض المقلى بلا طعم .. وبعض الأشياء التى حاولت خداع عقلى المرهق وإقناعه بأنها خبز ....
ثم انطلقنا إلى السيارة التى تنتظرنا بسائقها السودانى النحيف المبتسم دائماً .. وانطلقنا نجوب شوارع الخرطوم ...
**********
أول ما يلفت نظرك فى الخرطوم هو انتشار السيارات البيضاء هناك بشكل عجيب ... فمن كل عشر سيارات ملاكى ستجد 7 على الأقل بيضاء ... كما أن لترقيم السيارات أسلوب جميل أفهمنى إياه السائق المبتسم ...
فالسيارات معظمها تتكون من أربع أرقام وفوقها بعض الحروف ...
فمثلا تجد : خ أ ك
ومعنى هذا أن السيارة تتبع مرور الخرطوم ( خ ) ... ثم إنهم يبدءون بعد ذلك بوضع حروف تتابعية ... خ أ ... ثم تنتهى فيضعون خ ب .. ثم خ ت ... وهكذا حتى تنتهى خ ى ... فيبدأون خ أ أ .... وهكذا يستطيعون الحفاظ لأطول فترة ممكنة على معدل 4 أرقام للسيارة مكتوبة بخط واضح جميل يسهل قراءته من ظباط المرور ... وهذا لا يمنع وجود سيارات من ثلاثة أرقام أو رقمين ...
وضباط المرور فى الخرطوم هم أكثر الضباط الذين يمكنك رؤيتهم نحافة ... هم كائنات نحيفة يحمل كل منهم لاسلكى كبير ويشير للسيارات دائماً بالمرور ... وأحياناً بالتوقف .... وأعود لأؤكد لك أنهم فى غاية النحافة حتى أنهم أحياناً يختفون وراء إشارات المرور ...
والإشارات هناك لها شكل جميل مختلف ... فهناك العمود المعروف المنتصب فوق الأرض .. ويخرج من أعلاه عمود آخر أفقى بالعرض معلقة فيه الإشارة الثلاثية الشهيرة فتصبح فى منتصف الشارع بدلاً من أن تلوح رأسك يساراً أو يميناً لكى تراها ...
والسائقون فى الخرطوم يحترمون الإشارة جداً ... أرجو تسجيل هذه الملاحظة ....
وصلت لمقر الشركة فوجدت هناك المدير التنفيذى والمدير المالى المصريين ومدير عام الشئون المالية السودانى وبعض الموظفين وسكرتيرة حسناء نوعاً ما ... كلا هى ليست حسناء ... بل هى امرأة لطيفة وحبوبة لو شئنا الدقة .... عقدنا اجتماعا سريعاً لكى نتعرف عليهم ثم نبدأ العمل .. رحل المديرون الثلاثة ليواصلوا اجتماعاتهم مع بعض الجهات الخارجية ثم بدأنا نحن اجتماعنا الداخلى لنقوم بفحص دفاتر الشركة وعملها المحاسبى ووضع نظام كمبيوتر لتسجيل الحسابات .... وبدأ احتكاكى الحقيقى مع السودانيين ...
السودانيون هم أطول شعوب الله بالاً وأوسعهم روحاً وأكثرهم عدم تقدير للوقت ...
جاء المحاسب الوحيد فى الشركة فطلبنا منه بعض الدفاتر والأوراق فقال : ان شاء الله خير ... ثم ذهب وغاب فترة طويلة ثم عاد بعد أن نسى – ونسينا – ما طلبنا ...
طلب مسئول تكنولوجيا المعلومات الذى حضر معنا من القاهرة أجهزة كمبيوتر جديدة .. جهازين فقط لا غير .. وكنا قد طلبناهما منذ أسبوع ... فقال الأستاذ المحاسب : إن شاء الله خير ... لقد حجزناهما وسنذهب لاستلامهما الآن ... ثم خرج من الشركة لإحضارهما فى الساعة العاشرة ولم يعد إلا فى الرابعة عصراً ....
ومن العاشرة حتى الرابعة لم نجد من يفيدنا بأى شئ سوى السكرتيرة السمراء الحسناء نوعا ما ... التى اتفقنا على أنها ليست حسناء ... بل هى امرأة لطيفة وحبوبة لو شئنا الدقة .... والتى لا تعرف الكثير أيضاً .....
وفى الثانية بدأت الأمطار فى الهطول ....
وعندما أقول الأمطار وأنا أتحدث عن – ومن - السودان فهذا يعنى رصاصات سريعة تخترق الجماجم وليست أمطاراً كأمطارنا نحن المصريين ... كانت غزيرة وقوية إلى حد لا يصدق وبدأت البرك تتكون بشكل يفوق العقل .....
فى الرابعة قررنا الرحيل بعد أن انقطعت الكهرباء عن المكان وبعد انقاطعها عاد السيد المحاسب وقال أنه لم يستطع إحضار الأجهزة اليوم بسبب الأمطار ووعدنا بأنه سيحضرها فى المساء حتى نجدها جاهزة صباحاً ثم قال أنه قد أعد لنا حفل غداء فى الهيلتون ....
وااااااااااااااو ... سأدخل الهيلتون أخيراً ... وسأتناول غدائى فيه أيضاً !!!! باضت لك فى القفص يا معفن .. هكذا قلت لنفسى
جاءت السيارة وحملتنا إلى الهيلتون وسط الأمطار – التى عرفت فيما بعد أنها معتادة فى الخرطوم - ... دخلنا من بوابة الهيلتون فوجدنا السقف تتساقط منه المياه وقد أتى المسئولون ببعض الخرق القماشية ووضعوها على الأرض وبعض الجرادل أيضاً ووقف بعض العمال السودانيين ليبعدون الناس عن المكان المبلل بالماء ... تساءلت هل هذا الهيلتون يتبع سلسلة مطاعم الهيلتون العالمية أم أنه جزء من لوكاندة المندرة ؟؟ فقيل لى بل هو يتبع سلسلة مطاعم هيلتون .. فعرفت لحظتها لماذا تم القبض على باريس هيلتون وريثة هذه الفنادق .
تناولنا غداءا سريعا فى الاوبن بوفيه .. ثم كان أمامنا خياران ... أن نعود إلى فندق السلام روتانا أو أن نجلس فى بهو الهيلتون لنتناول الشيشة .... ورغم عشقى للشيشة إلا أن نفسى التى ترغب فى النوم كما يرغب دراكولا فى دماء بشرية اختارت العودة للفندق .... وليتها لم تختر ....
الأمطار سدت الشوارع تماما ... والخرطوم – كما علمت فى هذا اليوم – تحتوى على واحدة من أسوأ شبكات الصرف الصحى فى العالم إن لم يكن فى الكون .... فاستغرقت رحلة العودة حوالى 3 ساعات .. أى أنها استغرقت وقتاً أطول من رحلتنا من القاهرة إلى الخرطوم !! شاهدنا فى بداية تحركنا بعض الشباب مقطوعى الأيدى والأرجل الذين يشحذون من ركاب السيارات.. فقال السائق المبتسم إياه فى قرف: هؤلاء ليسوا سودانيين .. بل هم من بعض الدول الفقيرة مثل تشاد والحبشة ..... ابتسمت رغماً عنى ... فهو يعتبر تشاد والحبشة دولاً فقيرة ينبغى القرف حين يتحدث عنها ....
مع ازدحام المرور بهذا الشكل حيث كان يمر علينا أحيانا ربع ساعة دون أن تتحرك سيارتنا بدأت التأمل جيداً فى المارة فلاحظت شيئاً غريباً ...
" بنات السودان زى القمر .... " هذه هى الملاحظة الأولى التى وردت إلى ذهنى فى هذه اللحظة ...
كثيرات منهن تتمتع بسمار جميل ... ليس سوداً بل سمار فقط ... ابتسامتهن جميلة .... وعيونهن جميلة ....
شاهدت أمام باب الجامعة بعض الطالبات والطلبة الروشين الذين يمزحون ويتضاحكون ... وأدهشنى أننى اندهشت لذلك وظننت أن شباب مصر هم الشباب الروش الوحيد فى العالم العربى .
شئ آخر لاحظته وهو أنه حينما تتحول الأراضى لبرك فإن الكل يخلع حذاءه ويشمر بنطاله ويسير .... شاهدت عساكر مرور يفعلون ذلك دون مشكلة ... وشاهدت رجلاً يرتدى بذلة كاملة ويحمل لاب توب ويسير بنفس الطريقة
شاهدت أيضاً مبنى كبير مكتوب عليه " مقر الأمن والمخابرات " بدون أى حراسة تقريباً ... ذكرنى هذا بمحطة المطار السرى .... وشاهدت مبنى آخر مكتوب عليه : وزارة رئاسة الوزراء ... لم أفهم يوماً فى التكوينات السياسية ويبدو أنى لن أفهم فيها أبداً ...
بعد معاناة طويلة وصلنا أخيراً إلى الفندق يقتلنا التعب والإنهاك ... صعدت إلى غرفتى ودخلت على الإنترنت قليلاً وشاهدت تلفزيون الفندق قليلاً وسقطت نائماً قبل أن تدق الساعة التاسعة .



